فصل: باب ذكر ناس من البلغاء والخطباء والأبيناء والفقهاء والأمراء

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتبيين **


  باب البيان

قال بعضُ جهابذة الألفاظِ ونُقَّادِ المعاني‏:‏ المعاني القائمة في صدور النّاس المتصوَّرَة في أذهانهم والمتخلِّجة في نفوسهم والمتَّصِلة بخواطرهم والحادثة عن فِكَرهم مستورةٌ خفيّة وبعيدةٌ وحشية محجوبةٌ مكنونة وموجودةٌ في معنَى معدومةٍ لا يعرف الإنسانُ ضميرَ صاحِبه ولا حاجة أخيه وخليطِه ولا معنَى شريكِهِ والمعاونِ له على أموره وعلى مالا يبلغه من حاجات نفسه إلاّ بغيره وإنما يُحيي تلك المعانيَ ذكرُهم لها وإخبارُهم عنها واستعمالُهم إيّاها وهذه الخصالُ هي التي تقرّبها من الفهم وتُجَلِّيها للعقْل وتجعل الخفيَّ منها ظاهراً والغائبَ شاهداً والبعيدَ قريباً وهي التي تلخِّص الملتبِس وتحلُّ المنعقد وتجعل المهمَل مقيَّداً والمقيَّد مطلقاً والمجهولَ معروفاً والوشيَّ مألوفاً والغُفْل موسوماً والموسومَ معلوماً وعلى قَدر وُضوح الدَّلالة وصوابِ الإشارة وحسن الاختصار ودِقّةِ المَدْخَل يكون إظهارُ المعنى وكلّما كانت الدَّلالة أوضَحَ وأفْصَح وكانت الإشارةُ أبيَنَ وأنْوَر كان أنفَعَ وأنْجَع والِدَّلالة الظاهرةُ على المعنى الخفيِّ هو البيانُ الذي سمِعْتَ اللَّه عزّ وجلّ يمدحُه ويدعو إليه ويحثُّ عليه بذلك نَطَقَ القُرآنُ وبذلك تفاخَرَت العَرب وتفاضَلَتْ أصنافُ العَجَم والبيان اسمٌ جامعٌ لكلِّ شيءٍ كشَفَ لك قِناعَ المعنى وهتكَ الحِجَاب دونَ الضمير حتّى يُفْضِيَ السّامعُ إلى حقيقته ويَهجُم على محصولِهِ كائناً ما كان ذلك البيانُ ومن أيِّ جنسٍ كان الدّليل لأنّ مَدَارَ الأمرِ والغايةَ التي إليها يجرِي القائل والسّامع إنَّما هو الفَهْمُ والإفهام فبأيِّ شيءٍ بلغْتَ الإفهامَ وأوضَحْتَ عن المعنى فذلك هو البيانُ في ذلك الموضع ثم اعلم - حفِظَكَ اللَّه - أنّ حُكْمَ المعاني خلافُ حُكمِ الألفاظ لأنْ المعانِيَ مبسوطةٌ إلى غير غاية وممتدّةٌ إلى غير نهاية وأسماءَ المعاني مقصورةٌ معدودة ومحصَّلةٌ محدودة وجميعُ أصنافِ الدِلاَّلات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياءَ لا تنقُص ولا تَزيد‏:‏ أولها اللفظ ثم الإشارة ثم العَقْد ثم الخَطّ ثمَّ الحالُ التي تسمّى نِصْبةً والنِّصبة هي الحال الدّالةُ التي تقوم مقامَ تلك الأصنافِ ولا تقصِّرُ عن تلك الدَّلالات ولكلِّ واحدٍ من هذه الخمسة صورة بائِنةٌ من صورة صاحبتها وحليةٌ مخالفةٌ لحِلْية أُختها وهي التي تكشِف لك عن أعيان المعاني في الجملة ثمَّ عن حقائقها في التَّفسير وعن أجناسها وأقدارها وعن خاصِّها # وعامِّها وعن طبقاتها في السارّ والضارّ وعمّا يكون منها لَغْواً بَهْرَجاً وساقطاً مُطَّرَحاً قال أبو عُثمان‏:‏ وكان في الحقِّ أن يكون هذا البابُ في أوَّل هذا الكتاب ولكنَّا أَخَّرْناه لِبعض التَّدبير وقالوا‏:‏ البيان بَصَرٌ والعِيُّ عمىً كما أنّ العلم بصرٌ والجهلَ عمى والبيانُ من نِتاج العِلم والعِيُّ من نِتاج الجهل وقال سهلُ بن هارون‏:‏ العقل رائد الرُّوح والعلمُ رائدُ العقل والبيان تَرجمان العلم وقال صاحبُ المنطق‏:‏ حَدُّ الإنسانِ‏:‏ الحيُّ النَّاطق المبِين وقالوا‏:‏ حياةُ المروءة الصّدق وحياة الرُّوح العفاف وحياة الحِِلم العِلم وحياة العِلم البيان وقال يونسُ بنُ حبيب‏:‏ ليس لعييّ مروءة ولا لمنقوص البيان بهاء ولو حَكَّ بيافوخِهِ أَعْنَانَ السَّماء وقالوا‏:‏ شعرُ الرَّجل قطعةٌ من كلامه وظنُّهُ قطعةٌ من علمِه واختيارُه قطعةٌ من عقلِه وقال ابنُ التَّوْأم‏:‏ الرُّوح عِماد البدَن والعِلْم عِماد الرُّوح والبيان عماد العلم قد قلنا في الدَّلالة باللفظ فأمّا الإشارة فباليد وبالرأس وبالعين والحاجب والمَنْكِب إذا تباعَدَ الشخصان وبالثَّوب وبالسَّيف وقد يتهدَّد رافعُ السَّيف والسَّوط فيكون ذلك زاجراً ومانعاً رادعاً ويكون وعيداً وتحذيراً والإشارة واللّفظ شريكان ونِعْم العونُ هي له ونعم الترجمانُ هي عنه وما أكَثرَ ما تنوب عن اللّفُظِ وما تُغني عن الخطِّ وبعدُ فهل تَعدو الإشارةُ أن تكون ذاتَ صورةٍ معروفةٍ وحِلْية موصوفة على اختلافها في طبقاتها ودلالاتها وفي الإشارة بالطَّرف والحاجب وغير ذلك من الجوارح مرفقٌ كبير ومَعُونة حاضرة في أُمورٍ يستُرها بعضُ النَّاسِ من بعض ويخفونها من الجليس وغيرِ الجليس ولولا الإشارةُ لم يَتفاهم النَّاسُ معنَى خاصّ الخاصّ ولَجَهِلوا هذا الباب البتّة ولولا أن تفسيرَ هذه الكلمة يَدخل في باب صناعة الكلام لفسَّرتها لكم وقد قال الشاعر في دَلالات الإشارة‏:‏ من الطويل أشارتْ بطَرْفِ العين خِيفةَ أهلِها إشارةَ مذْعورٍ ولم تتكَلَّمِ فأيقنْتُ أنَّ الطَّرْفَ قد قال مرحبا وأهلاً وسهلاً بالحبيب المتيَّمِ وقال الآخر‏:‏ من الهزج وللقلب على القلب دليلٌ حينَ يلقاهُ وفي النَّاسِ من الناس مقاييسُ وأشباهُ وفي العينِ غنى للمر - ءِ أنْ تنطقَ أفواهُ وقال الآخر في هذا المعنى‏:‏ من الرجز ومَعشرٍ صِيدٍ ذوِي تَجلَّهْ ترى عليهم للنّدى أدلّه وقال الآخر‏:‏ من الطويل ترى عينُها عَيْنِي فتعرف وَحْيَها وتعْرف عيني ما به الوَحْيُ يرجعُ وعينُ الفتى تُبدي الذي في ضميره وتعْرِف بالنجوَى الحديثَ المعَمَّسا وقال الآخر‏:‏ من البسيط العينُ تُبدِي الذي في نفسِ صاحبها من المحبة أو بُغضٍ إذا كانا والعينُ تنطق والأفواهُ صامتةٌ حتَّى ترى من ضمير القلب تِبْيانا هذا ومبلغُ الإشارة أبعَدُ من مبلغ الصَّوت فهذا أيضاً باب تتقدَّم فيه الإشارةُ الصوتَ والصوتُ هو آلةُ اللَّفظِ والجوهرُ الذي يقوم به التقطيع وبه يُوجَد التأليف ولن تكون حركات اللسان لفظاً ولا كلاماً موزوناً ولا منثوراً إلاّ بظهور الصوت ولا تكون الحروف كلاماً إلا بالتقطيع والتأليف وحُسنُ الإشارة باليدِ والرأسِ مِن تمام حسن البيان باللسان مع الذي يكون مع الإشارة من الدَّلِّ والشَّكل والتقَتُّل والتَثَنِّي واستدعاء الشّهوة وغير ذلك من الأمور قد قُلْنا في الدّلالة بالإشارة فأمّا الخطُّ فمما ذكَر اللَّهُ عزّ وجلّ في كتابه من فضيلة الخَطِّ والإنعامِ بمنافع الكتاب قولُه لنبيِّه عليه السلام‏:‏ ‏"‏ إقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم ‏"‏ العلق‏:‏ 3 - 5 وأقسم به في كتابه المُنْزَل على نبيّه المُرسَل حيث قال‏:‏ ‏"‏ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ‏"‏ القلم‏:‏ 1 ولذلك قالوا‏:‏ القَلَم أحَدُ اللِّسانين كما قالوا‏:‏ قِلّة العِيال أَحَدُ اليَسارَين وقالوا‏:‏ القلمُ أبقى أثراً واللسان أكثَرُ هَذَراً وقال عبدُ الرحمن بن كيسان‏:‏ استعمال القلم أجدَرُ وقالوا‏:‏ اللسان مقصورٌ على القريب الحاضر والقلمُ مطلقٌ في الشاهد والغائب وهو للغابِر الحائن مثلُه للقائم الرَّاهن والكتاب يُقرَأ بكلِّ مكان ويُدرَس في كلِّ زمان واللسان لا يَعْدُو سامعَه ولا يتجاوزُه إلى غيره وأمّا القَول في العَقْد وهو الحسابُ دونَ اللَّفظ والخطّ فالدَّليلُ على فضيلته وعِظَم قَدر الانتفاع به قولُ اللَّه عزَّ وجل‏:‏ ‏"‏ فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَاعِلُ اللَّيل سَكَناً والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسباناً ذَلِكَ تَقْديرُ العَزِيزِ العَلِيم ‏"‏ الأنعام‏:‏ 69 وقال جلّ وتقدَّس‏:‏ ‏"‏ الرَّحْمَنُ عَلّمَ القُرْآنَ خَلَقَ الإنْسانَ عَلَّمَهُ البَيَانَ الشَّمْسُ وَالْقمَرُ بحُسْبَانِ ‏"‏ الرحمن‏:‏ 1 - 5 وقال جلّ وعزَّ‏:‏ ‏"‏ هُوَ الَّذِي جَعَل الشّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّه ذَلِكَ إلاّ بِالْحَقّ ‏"‏ يونس‏:‏ 5 وقال‏:‏ ‏"‏ وَجَعَلْنَا اللّيْلَ وَالنَّهاَرَ آيَتَيْنِ فَمَحوْنَا آيَةَ اللّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهار مُبْصَرةً لتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلمُوا عَدَدَ السِنِينَ وَالْحِسَابَ ‏"‏ الإسراء‏:‏ 21 والحسابُ يشتمل على معانٍ كثيرةٍ ومنافعَ جليلة ولولا معرفةُ العِِبَاد بمعنى الِحساب في الدنيا لمَا فهِمُوا عن اللَّه عزّ وجلّ معنَى الحسابِ في الآخرة وفي عدم اللَّفْظِ وفساد الخطّ والجهلِ بالعقد فَسادُ جُلِّ النِّعَم وفِقْدانُ جُمهور المنافع واختلالُ كلِّ ما جعله اللَّه عزّ وجلَّ لنا قِواماً ومَصْلحةً ونِظاماً وأما النِّصبة فهي الحالُ النَّاطقة بغير اللّفظ والمشِيرة بغير اليد وذلك ظاهرٌ في خلْق السماوات والأرض وفي كلِّ صامتٍ وناطق وجامدٍ ونامٍ ومُقيم وظاعن وزائد وناقص فالدَّلالة التي في المَوات الجامد كالدّلالة التي في الحيوان الناطق فالصَّامتُ ناطق من جهة الدّلالة والعَجْماء مُعْرِبةٌ من جهة البُرهان ولذلك قال الأوَّل‏:‏ سَل الأرضَ فقُلْ‏:‏ مَنْ شَقَّ أنهارَكِ وغَرَس أشجارَك وجَنَى ثِمارَك فإن لم تجبْكَ حِواراً أجابتك اعتباراً وقال بعضُ الخطباء‏:‏ أشهَدُ أنّ السموات والأرض آياتٌ دالاّت وشواهدُ قائمات كلٌّ يؤدِّي عنك الحجة ويَشْهَدُ لك بالرُّبوبية موسومةٌ بآثار قُدْرَتِك ومَعَالِم تدبيرِك التي تَجَلَّيْتَ بها لخلْقك فأوصَلت إلى القلوب مِن معرفتك ما أَنَّسَها مِن وَحشة الفكر ورَجْم الظّنون فهي على اعترافها لك وافتقارها إليك شاهدةٌ بأنك لا تُحيط بك بالصِّفات ولا تحدُّك الأوهام وأنّ حَظَّ الفكْر فيك الاعترافُ لك وقال خطيبٌ من الخطباء حين قام على سَرير الإسكندر وهو ميّت‏:‏ الإسكندر كان أمْسِ أنطَقَ منه اليومَ وهو اليومَ أوْعَظُ مِنْه أمس ومتى دلَّ الشيءُ على معنىً فقد أخبر عنه وإن كان صامتاً وأشار إليه وإن كان ساكتاً وهذا القولُ شائعٌ في جميع اللغات ومتَّفَق عليه مع إفراط الاختلافات وقال عنترةُ بنُ شدَّادٍ العَبْسيِّ وجعَلَ نعيبَ الغُراب خبراً للزَّاجِر‏:‏ من الكامل حَرِقُ الجناح كأنَّ لحْيَيْ رأسهِ جَلَمَان بالأخبار هَشٌّ مُولَعُ الحَرِق‏:‏ الأسوَد شبَّه لَحْييه بالجَلَمين لأنّ الغراب يخبِّر بالفرقة والغُربة وتِقطع كما يقطع الْجَلَمانِ وأنشدني أبو الرُّدَينيِّ العُكْليّ في تنسُّم الذّئب الرِّيحَ واستنشائِهِ واستِراواحِه‏:‏ من الرجز يَستخبِرُ الرِّيح إذا لم يَسمَعِ بمِثل مِقراع ِ الصَّفَا المُوقّعِ المِقراع الفأس التي يُكسَر بها الصَّخر والموقَّع‏:‏ المحدَّد يقال‏:‏ وقَّعت الحديدة إذ حدَّدْتَها وقال آخرُ وهو الرَّاعي‏:‏ من البسيط إنّ السَّماءَ وإنّ الرّيحَ شاهدةٌ والأرضُ تشهَدُ والأيّامُ والبَلَدُ لقد جَزَيتَ بني بدرٍ ببَغْيهم يومَ الهَباءَةِ يوماً ما لَه قَوَدُ وقال نُصيبٌ في هذا المعنى يمدح سليمانَ بنَ عبد الملك‏:‏ من الطويل أقولُ لرَكبٍ صادِرِينَ لقيتُهم قَفَا ذَاتِ أوشالٍ ومولاكَ قاربُ قِفُوا خَبِّرُونا عن سليمانَ إنَّني لمعروفه مِنْ أهْلِ وَدَّانَ طالبُ فعاجُوا فأثنَوْا بالذي أنتَ أهْلُه ولو سكتُوا أثنَتْ عليك الحقائبُ وهذا كثيرٌ جداً وقال عليٌّ رحمه اللّه‏:‏ قيمة كلِّ امرئٍ ما يُحسِن فلو لم نَقف من هذا الكتابِ إلاّ على هذه الكلمة لوجدْناها شافيةً كافية ومجزئة مغْنِية بل لوَجدناها فاضلةً عن الكفاية وغيرَ مقصِّرة عن الغاية وأحسنُ الكلام ما كان قليلهُ يُغْنيك عن كثيرِه ومعناه في ظاهر لفظِه وكان اللُّه عزّ وجلَّ قد ألبسَه من الجَلالة وغَشّاه من نُور الحكمة على حَسَب نيّة صاحبه وتقوَى قائِله فإذا كان المعنى شريفاً واللفظُ بليغاً وكان صحيح الطبع بعيداً من الاستكراه ومنزَّهاً عن الاختلالِ مصوناً عن التكلُّف صنَعَ في القُلوب صنيعَ الغَيث في التُّربة الكريمة ومتى فَصَلت الكلمةُ على هذه الشّرِيطة ونفذَتْ من قائلها على هذه الصِّفة أصَحبَها اللَّهُ من التوفيق ومَنَحَها من التأييد ما لا يمتنع معه من تعظيمها صدورُ الجبابرة ولا يذهَل عن فهمها معه عقولُ الجَهَلة وقد قال عامر بن عبد قيس‏:‏ الكلمة إذا خرجت من القلب وقعتْ في القلب وإذا خرجت من اللِّسان لم تجاوِز الآذان وقال الحسنُ رحمه اللَّه وسمِع رجلاً يَعِظ فلم تقع موعظتُه بموضعٍ مِن قلبه ولم يرِقَّ عندها فقال له‏:‏ يا هذا إنّ بقلبك لَشَرّاً أو بقلبي وقال عليُّ بنُ الحسَين بنِ علي رحمه اللَّه‏:‏ لو كان النّاسُ يعرِفون جُملةَ الحال في فضل الاستبانة وجملةَ الحال في صواب التَّبِيين لأَعَربُوا عن كلِّ ما تخَلَّجَ في صدُورِهم ولَوجَدوا من برْدِ اليقين ما يُغْنيهم في الأيّام القليلة العِدّة والفِكْرة القصيرة المُدّة ولكنَّهم من بين مغمورٍ بالجَهْل ومفْتُون بالعُجْب ومعدولٍ بالهوى عن باب التثبُّت ومصروفٍ بسوء العادة عن فَضْلِ التَّعلُّم وقد جَمَع محمَّد بنُ عليّ بن الحسين صلاحَ شأن الدُّنيا بحذافيرِها في كلمتين فقال‏:‏ صلاحُ شأن جميعِ التّعايُشِ والتعاشر مِلءُ مكيالٍ ثلثاه فِطنة وثلثُه تغافُل فلم يجعَلْ لغير الفِطنة نصيباً من الخير ولا حظّاً في الصلاح لأنّ الإنسان لا يتغافل إلا عن شيءٍ قد فَطِن له وعَرَفه وذكر هذه الثلاثة الأخبارَ إبراهيمُ بنُ داحَة عن محمَّد بن عمير وذكرها صالح ابن عليّ الأفقم عن محمد بن عُميْر وهؤلاء جميعاً من مشايخ الشِّيَع وكان ابنُ عمير أغْلاهم وأخبرني إبراهيمُ بن السِّنديّ عن عليّ بن صالحٍ الحاجب عن العباس ابن محمد قال‏:‏ قيل لعبد اللَّه بن عبّاس‏:‏ أنَّى لك هذا العِلمُ قال‏:‏ قلبٌ عَقُولٌ ولسانٌ سَؤُول وقد روَوْا هذا الكلامَ عَن دَغفَل بن حنظلةَ العلاّمة وعبدُ اللَّه أوْلَى به منه والدّليل على ذلك قولُ الحسن‏:‏ إنّ أوّلَ مَن عرَّف بالبَصرة ابنُ عباسٍ صِعد المنبر فقرأ سورةَ البقرة ففسَّرَها حرفاً حرفاً وكان مِثَجّاً يسيل غَرْباً المِثَجُّ‏:‏ السائل الكثير وهو من الثَّجَّاج والغَرْب هاهنا‏:‏ الدَّوَام هشام بن حسّانَ وغيرُه قال‏:‏ قيل للحسن‏:‏ يا أبا سعيد إنّ قَوماً زعمُوا أنّك تذمُّ ابنَ عباسٍ قالوا‏:‏ فبكى حتَّى اخضلَّت لحيتُه ثم قال‏:‏ إنّ ابنَ عباسٍ كان من الإسلام بمكان إنّ ابن عبّاس كان من القرآنِ بمكان وكان واللَّه له لسانٌ سَؤُولٌ وقلب عَقُول وكان واللَّه مِثَجّاً يسيل غَرْباً قالوا‏:‏ وقال عليٌّ بن عبد اللَّه بن عباس‏:‏ من لم يجد مَسَّ الجهل في عقله وذُلَّ المعصية في قلْبه ولم يَستبِنْ موضع الخَلَّةِ في لسانه عند كلال حَدِّه عن حَدِّ خَصمه فليس ممّن يَنْزِع عن ريبة ولا يَرغبُ عن حال مَعْجَزةٍ ولا يكترث لفَصْلِ ما بين حُجة وشُبهةٍ قالوا‏:‏ وذكَر محمَّدُ بن عليّ بن عبد اللَّه بن عباس بلاغَةَ بعض أهلِه فقال‏:‏ إنِّي لأكْرهُ أن يكون مقدارُ لسانه فاضلاً على مقدار عِلمه كما أكره أن يكون مقدارُ علمه فاضلاً على مقدار عقله وهذا كلامٌ شريفٌ نافع فاحفظوا لفْظَه وتدبَّرُوا معناه ثمّ اعلموا أنّ المعنى الحقيرَ الفاسدَ والدنيَّ الساقط يعشِّش في القلب ثم يَبيض ثم يفرِّخ فإذا ضَرَب بجرِانِهِ ومَكَّن لعُروقه استفحل الفساد وبَزَل وتمكّن الجهل وقَرَحَ فعند ذلك يقوى داؤه ويمتنع دواؤُه لأنّ اللفظَ الهجينَ الرديّ والمستكْرَهَ الغبِيّ أعلَقُ باللِّسان وآلف للسمع وأشدُّ التحاماً بالقلب من اللفظ النَّبِيه الشّريف والمعنى الرَّفيع الكريم ولو جالَسْتَ الجُهّالَ والنَّوْكى والسُّخَفاءَ والحمقَى شهراً فقط لم تَنْقَ من أوضار كلامهم وخَبَال معانيهم بمجالَسة أهل البيان والعقل دهراً لأنّ الفسادَ أسرعُ إلى النَّاس وأشَّدُّ التحاماً بالطبائع والإنسانُ بالتّعلُّم والتكلُّف وبطُول الاختلاف إلى العلماء ومدارَسَةِ كُتُبِ الحكماء يَجُودُ لفظُه ويحسُن أدبُه وهو لا يحتاج في الجهل إلى أكثَرَ من ترك التعلُّم وفي فساد البيان إلى أكثر من ترك التخيُّر ومما يؤكِّد قولَ محمّد بن عليّ بن عبد اللَّه بن عبّاس قولُ بعض الحكماء حين قيل له‏:‏ متى يكون الأدبُ شرّاً مِن عدمه قال‏:‏ إذا كثُر الأدب ونَقَصَت القريحة وقد قال بعضُ الأوَّلين‏:‏ مَن لم يكن عقْلُه أغلبَ خصال الخَير عليه كان حتْفُه في أغلَب خصال الخير عليه وهذا كلّه قريبٌ بعضُه من بعض وذكر المغيرةُ بن شُعْبة عُمَر بنَ الخطّاب رحمه اللَّه فقال‏:‏ كان واللَّه أفضَلَ من أن يَخْدَع وأعْقَلَ من أن يُخْدَع وقال محمّد بن عليّ بن عبد اللَّه بن عباس‏:‏ كفَاكَ مِن عِلْمِ الدين أن تعرِف ما لا يسَعُ جَهلُه وكفاك مِن علم الأدب أن تروِي الشّاهدَ والمَثل وكان عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ القاضي يروي عن جده إبراهيم بن سلمة قال‏:‏ سمعتُ أبا مسلمٍ يقول‏:‏ سمِعت الإمام إبراهيمَ بنَ محمّدٍ يقول‏:‏ يكفي من حظِّ البلاغة أن لا يُؤتَى السَّامعُ من سوء إفهام النَّاطق ولا يُؤتَى النَّاطقُ من سوء فهم السَّامع قال أبو عثمان‏:‏ أما أنا فأستحسنُ هذا القَوْلَ جدّاً بسم اللَّه الرحمن الرحيم الحمد للَّه ولا حول ولا قُوَّة إلاّ باللَّه وصلّى اللَّه على محمّدٍ خاصَّة وعلى أنبيائِه عامة خبَّرني أبو الزُّبير كاتبُ محمَّدِ بن حَسَّان وحدّثني محمد بن أبان ولا أدري كاتب مَن كان - قالا‏:‏ قيل للفارسيّ‏:‏ ما البلاغة قال‏:‏ معرفة الفَصْل من الوصل وقيل للروميّ‏:‏ ما البلاغة قال‏:‏ حسن الاقتضاب عند البداهة والغَزارة يَوْمَ الإطالة وقيل للهنديّ‏:‏ ما البلاغة قال‏:‏ وضُوح الدّلالة وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة وقال بعضُ أهل الهند‏:‏ جِمَاع البلاغة البَصر بالحُجّة والمعرفة بمواضع الفرصة ثم قال‏:‏ ومن البصر بالحُجة والمعرفِة بمواضع الفُرصة أن تدَعَ الإفصاح بها إلى الكناية عنها إذا كان الإفصاحُ أوعَرَ طريقةً وربما كان الإضرابُ عنها صفحاً أبلَغَ في الدَّرَك وأحقَّ بالظَّفَر قال‏:‏ وقال مَرَّةً‏:‏ جِمَاع البلاغة التماس حُسن الموقع والمعرفةُ بساعات القول وقلة الخَرَقِ بما التبَسَ من المعاني أو غَمُضَ وبما شَرَد عليك من اللّفْظُ أو تعذّر ثم قال‏:‏ وزَينُ ذلك كلّه وبهاؤُه وحلاوتهُ وسناؤُه أن تكون الشّمائلُ موزونةً والألفاظُ معدَّلةً واللّهجة نقيَّة فإنْ جامَعَ ذلك السنُّ والسمتُ والجمال وطولُ الصَّمت فقد تَمَّ كلَّ التمام وكمل كلَّ الكمال وخالَفَ عليه سهلُ بن هارونَ في ذلك وكان سهلٌ في نفسه عتيقَ الوجه وحسنَ الشّارةِ بعيداً من الفَدَامة معتدل القامة مقبول الصُّورة يُقضَى له بالحكمة قبل الخبرة وبِرقّةِ الذِّهن قبل المخاطبة وبدقّة المذهب قبل الامتحان وبالنُّبْل قبل التكشُّف فلم يمنَعْه ذلك أن يقول ما هو الحقُّ عِنده وإن أدخَلَ ذلك على حالِه النَّقْص قال سهلُ بن هارون‏:‏ لو أنَّ رجلَينِ خطبَا أو تحدّثا أو احتجَّا أو وصَفَا وكان أحدُهما جميلاً جليلاً بهيّاً ولَبَّاساً نبيلاً وذا حَسَبٍ شريفاً وكان الآخَر قليلاً قميئاً وباذَّ الهيئة دَميماً وخامِلَ الذِّكر مجهولاً ثم كان كلامُهما في مقدارٍ واحدٍ من البلاغة وفي وزنٍ واحدٍ من الصواب لَتصدَّع عنها الجَمْع وعامّتهم تَقِضي للقليل الدَّميم على النَّبيل الجسيم وللباذّ الهيئة على ذي الهيئة ولشَغَلهم التعجب منه عن مساواة صاحبه به ولصار التعجُّب منه سبباً للعَجَب به ولصار الإكثارُ في شأنِه عِلّةً للإكثار في مدحه لأنّ النفوسَ كانت له أحقَر ومِن بيانِه أيأس ومن حَسَدِه أبعَد فإذا هَجَمُوا منه على ما لم يكونُوا يَحتَسِبُونه وظَهَرَ منه خلافُ ما قدَّرُوه تضاعَفَ حُسْنُ كلامه في صدورهم وكبُر في عيونهم لأنَّ الشّيءَ من غير معدنه أغرب وكلّما كان أغرَبَ كان أبْعدَ في الوهْم وكلّما كان أبعَدَ في الوهم كان أطْرَف وكلّما كان أطْرفَ كان أعجب وكلما كان أعجبَ كان أبدع وإنَّما ذلك كنوادِرِ كلام الصِّبيان ومُلَح المجانين فإنّ ضحِك السامعين من ذلك أشدُّ وتعجُّبَهم به أكثر والنّاسُ مُوَكّلُون بتعظيم الغريب واستِطراف البعيد وليس لهم في الموجود الرَّاهن وفيما تحتَ قُدرتهم من الرّأْي والهوى مِثْلُ الذي لهم في الغريب القليل وفي النادر الشاذّ وكلِّ ما كان في ملْك غيرهم وعلى ذلك زَهِدَ الجِيرانُ في عالمِهِم والأصحابُ في الفائدة من صاحبِهم وعلى هذا السّبيلِ يستَطْرفون القادمَ عليهم ويرحَلُون إلى النَّازح عنهم ويتركون مَن هو أعمُّ نفعاً وأكثرُ في وجوه العِِلم تصرُّفاً وأخفُّ مَؤُونةً وأكثرُ فائدة ولذلك قدّم بعضُ الناس الخارجيَّ عن العريق والطّارفَ على التَّليد وكان يقول‏:‏ إذا كان الخليفةُ بليغاً والسيِّد خطيباً فإنَّك تجِدُ جمهورَ الناس وأكثَر الخاصَّة فيهما على أمْرين‏:‏ إمّا رجلاً يُعطي كلامَهما من التعظيم والتّفضيل والإكبار والتبجيل على قدرحالِهما في نفسه ومَوقِعهما من قلبه وإما رجُلاً تعرِضُ له التُّهمة لنفسه فيهما والخوفُ من أن يكون تعظيمُه لهما يُوهمه من صَوابِ قولهما وبلاغة كلامهما ما ليس عندهما حتَّى يُفرط في الإشفاق ويُسْرِف في التُّهمة فالأوّلُ يزيد في حقِّه للذي له في نفسه والآخر ينقُصه من حقّه لتُهمتِه لنفسه ولإشفاقه من أن يكون مخدوعاً في أمره فإذا كان الحُبُّ يُعمِي عن المساوئ فالبُغْض أيضاً يُعمِي عن المحاسن وليس يَعْرف حقائقَ مقاديرِ المعاني ومحصولَ حدود لطائف الأمور إلاّ عالمٌ حكيم ومعتدلُ الأخلاط عَليم وإلا القويُّ المُنَّة الوَثيق العُقْدة والذي لا يمَيل مع ما يستميل الجمهورَ الأعظمَ والسوادَ الأكبر وكان سهلُ بن هارونَ شديدَ الإطناب في وصف المأمون بالبلاغة والجَهارة وبالحلاوة والفخامة وجَودة اللَّهجة والطّلاوة وإذا صِرْنا إلى ذِكْر ما يحضرُنا مِن تسميةِ خطباء بني هاشم وبُلَغاء رجال القبائل قلْنا في وصفهما على حسَب حالهما والفَرْقِ الذي بينهما ولأنّنا عسى أن نذكر جملةً من خطباء الجاهليِّين والإسلاميِّين والبدويِّين والحضَريِّين وبعضَ ما يحضُرنا من صفاتهم وأقدارهم ومقاماتهم وباللَّه التوفيق ثم رجع القولُ بنا إلى ذكر الإشارة وروى أبو شَمِر عن مُعَمَّرٍ أبي الأشعث خلافَ القول الأوّل في الإشارة والحركة عند الخطبة وعند منازَعة الرجال ومناقَلَة الأكْفاء وكان أبو شَمِرٍ إذا نازع لم يحرِّكْ يديه ولا مَنْكِبيه ولم يقلّبْ عينيه ولم يُحرِّكْ رأسَه حتَّى كأنَّ كلامَه إنما يخرج من صَدْع صخرة وكان يَقضِي على صاحب الإشارة بالافتقار إلى ذلك وبالعجز عن بُلوغ إرادته وكان يقول‏:‏ ليس من حقِّ المنطق أن تستعين عليه بغيره وحتَّى كلّمه إبراهيمُ بن سيَّار النّظَّامُ عند أيوبَ بن جعفر فاضطرَّه بالحجَّة وبالزيادة في المسألة حتّى حرَّكَ يديه وحَلَّ حُبْوَتَه وحَبَا إليه حتى أخذ بيديه وفي ذلك اليوم انتقل أيُّوبُ من قول أبي شَمِر إلى قول إبراهيم وكان الذي غَرَّ أبا شَمِرٍ ومَوَّهَ له هذا الرأي أنَّ أصحابه كانوا يستمعون منه ويسلِّمون له ويميلون إليه ويَقْبلون كلّ ما يُورِده عليهم ويُثبِّته عندهم فلما طالَ عليهِ توقيرُهم له وتَرْكُ مجاذبتهم إيّاه وخفّت مؤونة الكلامِ عليه - نَسِيَ حالَ منازعة الأكْفاء ومجاذبةِ الخصوم وكان شيخاً وقوراً وزِمِّيتاً رَكيناً وكان ذا تصرَّف في العلم ومذكوراً بالفهم والحلم قال معمَّر أبو الأشعث‏:‏ قلت لبَهلْة الهنديّ أيَّامَ اجتلب يحيى بنُ خالدٍ أطبّاءَ الهند مثل مَنكْة وبازَيْكر وقِلبِرَقْل وسِنْدباذ وفُلان وفُلان‏:‏ ما البلاغةُ عندَ الهند قال بَهْلة‏:‏ عندنا في ذلك صحيفةٌ مكتوبة ولكنْ لا أُحسن ترجمتها لك ولم أعالج هذه الصناعة فأثِقَ من نفسي بالقيام بخصائصها وتلخيصِ لطائِفِ معانيها قال أبو الأشعث‏:‏ فلقيتُ بتلك الصحيفة التَّراجمةَ فإذا فيها‏:‏ أوّل البلاغة اجتماع آلة البلاغة وذلك أن يكون الخطيبُ رابطَ الجأْش ساكن الجوارح قليلَ اللّحْظ متخيَّر اللَّفْظ لا يكلِّم سَيِّدَ الأمَة بكلام الأمَة ولا الملوكَ بكلام السُّوقة ويكونَ في قُواه فضْلُ التصرُّف في كلِّ طبقة ولا يدقِّق المعاني كلَّ التدقيق ولا يُنقّحَ الألفاظ كل التنقيح ولا يُصَفّيهَا كلَّ التّصفية ولا يهذّبَها غاية التهذيب ولا يفعلَ ذلك حتى يصادِفَ حكيماً أو فيلسوفاً عليماً ومَن قد تعوَّد حذف فُضول الكلام وإسقاطَ مشتركاتِ الألفاظ وقد نَظَر في صناعة المنطق على جهة الصِّناعة والمبالغة لا على جهة الاعتراض والتصفُّح وعلى وجه الاستطراف والتظَرُّف قال‏:‏ ومِن عِلْم حَقِّ المعنى أن يكون الاسمُ له طِبْقاً وتلك الحالُ له وَفْقاً ويكون الاسم له لا فاضلاً ولا مفضولاً ولا مقصِّراً ولا مشتركاً ولا مضمّناً ويكونَ مع ذلك ذاكراً لما عَقَدَ عليه أوَّلَ كلامه وكونَ تصفُّحه لمَصادِرِه في وزن تصفُّحه لموارده ويكونَ لفْظُه مُونِقاً ولهَوْل تلك المقامات معاوِداً ومدارُ الأمر على إفهام كلِّ قومٍ بمقدارِ طاقتهم والحملِ عليهم على أَقدار منازلهم وأن تُواتِيهَ آلاتُه وتتصرّفَ معه أداتُه ويكونَ في التُّهمَة لنفسه معتدلاً وفي حسن الظنِّ بها مقتصداً فإنه إنْ تجاوَزَ مِقدارَ الحقِّ في التُّهمة لنفسه ظَلَمها فأودَعها ذِلّة المظلومين وإن تجاوَزَ الحقَّ في مقدار حُسْن الظنِّ بها آمنها فأودَعَها تهاوُنَ الآمنين ولكل ذلك مقدارٌ من الشُّغْل ولكل شغْلٍ مقدارٌ من الوَهن ولكل وهَنٍ مقدارٌ من الجهل وقال إبراهيم بن هانئ وكان ماجناً خليعاً وكثير العَبَثِ متمرِّداً ولولا أنّ كلامه هذا الذي أراد به الهزْل يدخُلُ في باب الجِدّ لَمَا جعلتُه صِلَة الكلام الماضي وليس في الأرض لفظٌ يسقط البتّة ولا معنى يبور حتّى لا يصلحَ لمكانٍ من الأماكن قال إبراهيم بن هانئ‏:‏ من تمام آلة القَصَص أن يكون القاصُّ أعمَى ويكونَ شيخاً بَعيدَ مدَى الصوت ومن تمام آلة الزَّمْر أن تكون الزَّامرةُ سوداءَ ومن تمام آلة المُغَنِّي أن يكون فَاِرِهَ البِرْذَوْن برّاقَ الثِّياب عظيمَ الكِبْر سيِّئ الخُلُق ومن تمام آلة الخَمَّار أن يكون ذمِّياً ويكون اسمه أذيِن أو شَلُومَا أو مازِيار أو أزدانقاذار أو ميشَا ويكون أرقَطَ الثِّياب مختوم العُنق ومن تمام آلة الشِّعر أن يكون الشّاعرُ أعرابيّاً ويكونُ الداعي إلى اللَّه صوفيّاً ومن تمام آلة السُّؤْدُدِ أن يكون السيِّد ثقيلَ السَّمع عظيمَ الرّأس ولذلك قال ابن سنان الجُدَيدي لراشد بن سَلمَة الهُذَليّ‏:‏ ما أنتَ بعظيم الرأس ولا ثقيلٍ السمع فتكون سيِّداً ولا بأرسَحَ فتكون فارساً وقال شَبِيبُ بن شَيْبَةَ الخطيب لبعضِ فتيان بنيِ مِنْقَرٍ‏:‏ واللَّه ما مُطلْتَ مطْل الفُرسان ولا فُتِقْتَ فَتقَ السّادة فقبّلْتُ رأساً لم يكن رأسَ سَيّدٍ وكفّاً ككَفِّ الضَّبّ أو هي أحقَرُ فعاب صِغَر رأسه وصِغر كفّه كما عاب الشَّاعر كفَّ عبدِ اللَّه ابن مطيع العَدَويّ حين وجدَهَا غليظة جافية فقال‏:‏ من الخفيف دَعا ابنُ مُطيعٍ للبِيَاع فجئتُه إلى بَيْعةٍ قلبِي لها غَيْرُ آلِفِ فناوَلَنِي خَشْنَاءَ لمَّا لمسْتُها بكفَّيَّ ليست من أكُفِّ الخلائِف وهذا الباب يَقعُ في كتابِ الجوارح مع ذكر البُرْص والعُرج والعُسْر والأُدْر والصُّلع والحدْب والقُرْع وغير ذلك من عِلَل الجوارح وهو واردٌ عليكم إن شاء اللَّه بعد هذا الكتاب وقال إبراهيم بن هانئ‏:‏ من تمام آلة الشَّيعيِّ أن يكون وافرَ الجُمّة صاحب بازَيُكَنْد ومن تمام آلة صاحب الحرَسِ أن يكون زِمِّيتاً قَطُوباً أبيضَ اللِّحية أقنى أجنى ويتكلّمَ بالفارسيّة وأخبرني إبراهيم بن السِّنْديّ قال‏:‏ دخل العُمانيّ الراجز على الرشيد ليُنْشده شعراً وعليه قَلَنْسُوةٌ طويلة وخُفٌّ ساذَج فقال‏:‏ إياك أن تُنشدَني إلاّ وعليك عمامةٌ عظيمة الكَوْر وخُفّان دُمَالِقان قال إبراهيم‏:‏ قال أبو نصر‏:‏ فبَكَرَ عليه من الغدِ وقد تَزَيَّا بزِيِّ الأعراب فأنشده ثم دَنا فقبّل يده ثم قال‏:‏ يا أمير المؤمنين قد واللَّه أنشدتُ مَرْوانَ ورأيتُ وجهه وقبَّلتُ يده وأخذتُ جائزتَه وأنشدتُ يزيد بن الوليد وإبراهيم بن الوليد ورأيتُ وجوهَهما وقبَّلت أيديهما وأخذْتُ جوائزَهما وأنشدتُ السفّاح ورأيتُ وجهَه وقبَّلت يَدَه وأخذتُ جائزته وأنشدْتُ المنصورَ ورأيتُ وجهَه وقبَّلت يده وأخذتُ جائزتَه وأنشَدْت المهديَّ ورأيتُ وجْهَه وقَبَّلْت يَده وأخذْتُ جائزته وأنشدْتُ الهاديَ ورأيتُ وجهَه وقَبّلت يَده وأخذت جائزته هذا إلى كثيرٍ من أشباه الخُلَفاء وكبار الأُمَراء والسّادة الرؤساء ولا واللَّه إن رأيتُ فيهم أبهى منظراً ولا أحسنَ وجهاً ولا أنعَمَ كَفّاً ولا أنْدى راحة منك يا أمير المؤمنين وواللَّهِ لو أُلقي في رُوعي أنِّي أتحدَّث عنك ما قلتُ لك ما قلت قال‏:‏ فأعظَمَ له الجائزةَ على شِعره وأَضعَف له على كلامِه وأقبل عليه فبَسطَه حتّى تمنّى واللَّه جميعُ مَن حضر أنهم قامُوا ذلك المَقام ثم رجع بنا القولُ إلى الكلام الأوّل قال ابنُ الأعرابيّ‏:‏ قال معاوية بن أبي سفيان لصُحارِ بن عَيّاش العبديّ‏:‏ ما هذه البلاغةُ التي فيكم قال‏:‏ شيء تَجِيش به صدورُنا فتَقذفُه على ألسنتنا فقال له رجل من عُرْض القَوم‏:‏ يا أمير المؤمنين هؤلاء بالبُسْر والرُّطَب أبصرُ منهم بالخُطَب فقال له صُحار‏:‏ أجَلْ واللَّهِ إنّا لنَعلم إنّ الرِّيح لَتُلْقِحُه وإن البَرد ليَعقِدُه وإن القمرَ ليَصْبِغُهُ وإن الحَرّ ليُنْضِجهُ وقال له معاوية‏:‏ ماتعدُّون البلاَغَةَ فيكم قال‏:‏ الإيجاز قال له معاويةُ‏:‏ وما الإيجاز قال صُحار‏:‏ أن تُجيب فلا تبطئ وتقولَ فلا تخطئ فقال له معاوية‏:‏ أو كذلك تقول يا صُحَار قال صُحار‏:‏ أقِلْني يا أمير المؤمنين ألا تُبْطِئ ولا تُخْطئ وشأن عبد القَيس عجَبٌ وذلك أنهم بعد مُحارَبة إيادٍ تفرَّقوا فِرقَتين ففرقةٌ وقَعتْ بعُمَانَ وشقِّ عُمان وهم خطباء العرب وفرقةٌ وقعت إلى البَحْرَيْن وشِقِّ البحرَين وهم من أشعر قَبيلٍ في العرب ولم يكونوا كذلك حين كانوا في سُرَّة البادية وفي مَعدِن الفَصاحة وهذا عَجَب ومن خُطَبائهم المشهورين‏:‏ صَعصعة بن صُوحان وزَيد بن صُوحان وسَيْحان بن صوحان ومنهم صُحار بن عَيَّاشٍ وصحارٌ من شيعة عثمان وبنو صوحانَ من شيعة عليّ ومنهم مَصْقَلَة بن رَقَبة ورقَبة بن مَصْقَلة وكَرِب بن رَقَبة وإذا صرْنا إلى ذكر الخُطَباء والنّسَّابين ذكرْنا من كلامِ كلِّ واحدٍ منهم بقَدْر ما يحضُرنا وباللَّه التوفيق قال لي ابنُ الأعرابيّ‏:‏ قال لي المفضَّل بن محمد الضبيُّ‏:‏ قلت لأعرابيّ منّا‏:‏ ما البلاغة قال لي‏:‏ الإيجازُ في غير عَجْز والإطناب في غير خَطَلٍ قال ابنُ الأعرابيّ‏:‏ فقلتُ للمفضَّل‏:‏ ما الإيجاز عندك قال‏:‏ حَذْف الفضول وتقريب البعيد قال ابنُ الأعرابيّ قيل لعبد اللَّه بن عُمَر‏:‏ لو دعَوْتَ اللَّه بدَعَواتٍ فقال‏:‏ اللهمَّ ارحَمْنا وعافِنا وارزُقْنا فقال له رجلٌ‏:‏ لو زِدْتَنا يا أبا عبد الرحمن فقال‏:‏ نعوذ باللَّه من الإسهاب

  باب ذكر ناس من البلغاء والخطباء والأبيناء والفقهاء والأمراء

ممن كان لا يكاد يسكت مع قلة الخطأ والزَّلل منهم‏:‏ زيد بن صُوحَان ومنهم‏:‏ أبو واثلة إياس بن معاوية المُزَنّي القاضي القائف صاحب الزَّكَن والمعروف بجَودة الفِراسة ولِكَثْرة كلامه قال له عبد اللّه بن شُبْرُمة‏:‏ أنا وأنت لا نتّفق أنت لا تشتهي أن تسكتَ وأنا لا أشتهي أن أسْمَع وأتَى حَلْقةً من حَلَقِ قُريشٍ في مسجد دمشق فاستولَى على المجلس ورأَوه أحمرَ دميماً باذَّ الهيئة قَشِفاً فاستهانُوا به فلما عَرَفوه اعتذروا إليه وقالوا له‏:‏ الذّنْب مقسومٌ بيننا وبينك أتيتَنا في زِيِّ مسكينٍ وتكلِّمُنا بكلام الملوك ورأيتُ ناساً يستحسنون جوابَ إياسِ بن معاوية حين قيل له‏:‏ ما فيك عيبٌ غير أنّك مُعْجَبٌ بقولك قال‏:‏ أفأعْجَبَكم قولي قالوا‏:‏ نعم قال‏:‏ فأنا أحقُّ بأن أُعجَبَ بما أقول وبما يكون مِنِّي مِنكم والناسُ حِفظَك اللَّه لم يضَعُوا ذِكْر العُجْب في هذا الموضع والمعيبُ عند النّاسِ ليس هو الذي لا يعرِف ما يكون منه من الحُسْن والمعرفةُ لا تَدْخُل في باب التَّسمية بالعُجبِ والعُجْبُ مذموم وقد جاء في الحديث إنّ المؤمنَ مَن ساءته سيِّئتُه وسرَّتْه حسنته وقيل لعمر‏:‏ فلانٌ لا يَعرف الشّرَّ قال‏:‏ ذاك أجْدَرُ أن يقعَ فيه وإنما العُجْب إسرافُ الرّجُلِ في السُّرور بما يكون منه والإفراطُ في استحسانه حتَّى يظهر ذلك في لفظه وفي شمائله وهو الذي وَصَف به صعصَعةُ بن صُوحان المنذرَ بنَ الجارود عند عليّ بن أبي طالب رحمه اللَّه فقال‏:‏ أمَا إنّه مع ذلك لَنَظّارٌ في عِطفَيه تَفَّالٌ في شِراكيه تُعْجِبُهُ حُمرة بُرْدَيه قال أبو الحسن‏:‏ قيل لإياسٍ‏:‏ ما فيك عيبٌ إلاّ كثرةُ الكلام قال‏:‏ فتسمعون صواباً أم خطأً قالوا‏:‏ لا بل صواباً قال‏:‏ فالزِّيادة من الخير خير وليس كما قال للكلام غايةٌ ولنشاط السَّامعين نِهاية وما فَضَل عن قدْر الاحتمال ودعا إلى الاستثقال والمَلاَل فذلك الفاضل هو الهَذَر وهو الخَطَل وهو الإسهاب الذي سمِعتَ الحكماءَ يَعيبُونه وذكر الأصمعيُّ أنّ عمر بن هُبَيْرة لما أرادَهُ على القضاء قال‏:‏ إنِّي لا أصلحُ له قال‏:‏ وكيف ذلك قال‏:‏ لأنَّنِي عَيِيٌّ ولأنّي دَميمٌ ولأنِّي حديد قال ابنُ هبيرة‏:‏ أمَّا الحِدّة فإنّ السّوطَ يقوِّمك وأما الدَّمامة فإنِّي لا أريد أن أُحاسِنَ بك أحداً وأمَّا العِيّ فقد عبّرتَ عمّا تُريد فإن كان إياسٌ عند نفسه عييّاً فذاك أجدَرُ بأن يَهجُر الإكثار وبعدُ فما نعْلَمُ أحداً رَمى إياساً بالعِيّ وإنّما عابُوه بالإكثار وذكر صالح بن سليمان عن عُتبة بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث قال‏:‏ ما رأيتُ عقولَ النّاسِ إلاّ قريباً بعضُها من بعضٍ إلا ما كان مِن الحجّاج بن يُوسُف وإياسِ بن معاوية فإنَّ عقولَهما كانت ترجِحُ على عقول الناس كثيراً وقال قائلٌ لإياس‏:‏ لِمَ تَعْجَلُ بالقضاء فقال إياس‏:‏ كم لكفِّك من إصبَع قال‏:‏ خمس قال‏:‏ عجِلْتَ قال‏:‏ لَمْ يَعجل مَن قال بَعد ما قَتل الشيءَ علْماً ويقيناً قال إياس‏:‏ فهذا هو جوابي لك وكان كثيراً ما يُنشِد قولَ النابغة الجَعْدِيّ‏:‏ من المتقارب أَبَى لي البلاءُ وأنِّي امرُؤٌ إذا ما تَبَيَّنْتُ لم أرتُبِ قال‏:‏ ومدح سلمة بن عَيَّاش سَوّارَ بن عبد اللَّه بِمثِل ما وصف به إياسٌ نفسَه حين قال‏:‏ من الطويل وأَوقَفَ عند الأمرِ ما لم يَضِحْ له وأمضى إذا ما شكَّ مَن كان ماضيا وكتب عمرُ بنُ عبد العزيز رحمه اللّه إلى عديّ بن أرْطاةٍ‏:‏ إنِّ قِبَلَك رجلين من مُزَينة فوَلِّ أحدَهما قضاءَ البَصرة يعني بكرَ بن عبد اللَّه المُزَني وإياس بن معاوية فقال بَكر‏:‏ واللَّه ما أُحْسِن القضاءَ فإن كنتُ صادقاً فما يَحلّ لك أن تولِّيني وإنْ كنت كاذباً إنّها لأحراهما وكانوا إذا ذَكروا البصرة قالوا‏:‏ شيخُها الحسَن وفتاها بكر وقال إياس بن معاوية‏:‏ لستُ بِخَِبّ والخَِبّ لا يخدعني وقال‏:‏ الخَبُّ لا يخدعُ ابنَ سيرين وهو يَخْدع أبي ويخدع الحَسَن ودخل الشّامَ وهو غلامٌ فتقدَّمَ خصماً له وكان الخَصم شيخاً كبيراً إلى بعضِ قُضاةِ عبد الملك بن مَرْوان فقال له القاضي‏:‏ أَتَقْدُم شيخاً كبيراً قال‏:‏ الحقُّ أكبر منه قال‏:‏ اسكتْ قال‏:‏ فمن ينطِقُ حُجَّتي قال‏:‏ لا أظنُّك تقولُ حقّاً حتَّى تقوم قال‏:‏ لا إله إلاّ اللَّه أحقّاً هذا أم باطلاً فقام القاضي فدخل على عبد الملك مِن ساعته فخبَّرَه بالخَبر فقال عبد الملك‏:‏ اقْضِ حاجتَه السَّاعةَ وأخرِجْه من الشامِ لا يُفْسِدْ عليَّ الناس فإذا كان إياسٌ وهو غلامٌ يُخافُ على جماعة أهل الشّام فما ظنُّك به وقد كَبِرَت سنُّه وعضَّ على ناجِذه وجملةُ القول في إياسٍ أنّه كان من مفاخر مُضر ومن مُقَدَّمي القضاة وكان فقيه البَدنِ دقيقَ المسلك في الفِطَن وكان صادقَ الحَدْسِ نِقَاباً وكان عجيب الفِراسة مُلْهَماً وكان عفيفَ الطِّعَمِ كريم المَدَاخِلِ والشِّيَم وجيهاً عند الخلفاء مقدَّماً عند الأكْفاء وفي مُزَينة خيرٌ كثير ثم رجَعنا إلى القول الأوّل ومنهم ربيعةُ الرَّأي وكان لا يكاد يسكت قالوا‏:‏ وتكلمَ يوماً فأكثَرَ وأعجِبَ بالذي كان منه فالتفت إلى أعرابيٍّ كان عنده فقال‏:‏ يا أعرابيّ‏:‏ ما تعدُّون العيَّ فيكم قال‏:‏ ما كنْتَ فيه منذُ اليوم وكان يقول‏:‏ السَّاكت بين النائم والأخْرس ومنهم عُبيد اللَّه بن محمد بن حفصٍ التّيْمي ومحمدُ بن حفصٍ هو ابن عائشة ثم قيل لعبيد اللَّه ابنه‏:‏ ابن عائشة وكان كثيرَ العِلم والسَّماع متصرِّفاً في الخبر والأثَر وكان من أجْوَاد قريش وكان لا يكاد يسكُت وهو في ذلك كثيرُ الفوائد وكان أبوه محمَّد بنُ حفصٍ عظيمَ الشأن كثير العِلم بعث إليه يَنْخَاب خليفته في بعضِ الأمر فأتاه في حَلْقته في المسجِد فقال له في بعض كلامه‏:‏ أبو مَنْ أصلحَكَ اللَّه فقال له‏:‏ هَلاّ عَرفْتَ هذا قبل مجيئك وإنْ كان لا بدَّ لك منه فاعترِضْ مَن شئت فَسَلْه فقال له‏:‏ إنِّي أريد أن تخلِيَني قال‏:‏ أفي حاجةٍ لك أم في حاجة لي قال‏:‏ بل في حاجةٍ لي قال‏:‏ فالقَنِي في المنزل قال‏:‏ فإنّ الحاجة لك قال‏:‏ ما دونَ إخواني سِتر ومنهمْ محمد بن مِسْعَرٍ العُقَيْليُّ وكان كريماً كريم المجالَسة يذهب مَذهبَ النسَّاك وكان جواداً مَر صديقٌ له من بني هاشم بقصرٍ له وبُستانٍ نفيس فبلغه أنّه استحسنَه فوَهَبه له ومنهم أحمد بن المُعَذَّل بن غَيلانَ كان يذهب مذهب مالك رحمه اللَّه وكان ذا بيانٍ وتبحُّرٍ في المعاني وتصرُّفٍ في الألفاظ وممن كان يُكْثر الكلام جدّاً‏:‏ الفضْل بن سهل ثم الحسن بن سَهْل في أيّامه وحدَّثني محمد بن الجهم ودُوَاد بن أبي دُوَاد قالا‏:‏ جلس الحسن بن سهل في مصلّى الجماعة لنُعَيم بن حازم فأقبل نُعيمٌ حافياً حاسراً وهو يقول‏:‏ ذَنْبي أعظم من السماء ذنْبي أعظم من الهواء ذنْبي أعظم من الماء قالا‏:‏ فقال له الحسن بن سهل‏:‏ على رِسْلِك تقدّمَتْ منك طاعةٌ وكان آخرُ أَمْرك إلى تَوبة وليس للذّنب بينهما مكان وليس ذنبُك في الذُّنوب بأعظَمَ مِن عَفو أمير المؤمنين في العفو ومن هؤلاء عليٌّ بن هشام وكان لا يسكت ولا أدري كيف كان كلامه قال‏:‏ وحدَّثني مهديُّ بن ميمون قال‏:‏ حدثّنا غَيلان بن جرير قال‏:‏ كان مطرِّف ابن عبد اللَّه يقول‏:‏ لا تُطعِم طعامَك مَن لا يشتهيه يقول‏:‏ لا تُقبِلْ بحديثك على مَن لا يقبلُ عليه بوجهه وقال عبدُ اللّه بنُ مسعود‏:‏ حَدِّث النّاسَ ما حَدَجُوك بأبصارهم وأذِنُوا لك بأسماعِهم ولحظوك بأبصارهم وإذارأيت منهم فترةً فأمْسِكْ قال‏:‏ وجعل ابن السَّمَّاك يوماً يتكلَّم وجاريةٌ له حيثُ تسمع كلامَه فلما انصَرفَ إليها قال لها‏:‏ كيف سمِعتِ كلامي قالت‏:‏ ما أحسنَه لولا أنَّك تكْثر تَرداده قال‏:‏ أردِّده حتّى يَفْهَمَه مَن لم يَفهمْه قالت‏:‏ إلى أن يَفْهَمَه مَن لا يفْهَمُه قد مَلّه من فِهمَه عَبّاد بن العَوَّام عن شعبة عن قتادة قال‏:‏ مكتوب في التوراة‏:‏ لا يعادُ الحديث مَرَّتَين سفيان بن عُيَيْنَة عن الزُّهري قال‏:‏ إعادةُ الحديث أشدُّ من نَقْل الصّخر وقال بعضُ الحكماء‏:‏ مَن لم يَنْشط لحديثك فارفَعْ عنه مَؤونَة الاستماع منك وجملة القول في الترداد أنَّه ليس فيه حدٌّ ينتَهي إليه ولا يُؤتَى على وَصْفه وإنّما ذلك على قدر المستمعين ومَن يحضُره من العوامّ والخواصّ وقد رأينا اللَّه عزّ وجلّ ردَّدَ ذِكْر قِصّة موسى وهودٍ وهارونَ وشعيبٍ وإبراهيمَ ولوطٍ وعادٍ وثمودَ وكذلك ذِكرَ الجنَّةِ والنَّارِ وأمورٍ كثيرة لأنّه خاطَبَ جميعَ الأمم من العرَب وأصناف العَجَم وأكثَرُهم غَبيٌّ غافِل أو مُعانِدٌ مشغولُ الفِكْرِ ساهي القلب وأمّا أحاديث القَصَص والرِّقَّة فإنِّي لم أرَ أحداً يعيب ذلك وما سمِعْنا بأحدٍ من الخطباء كان يرى إعادةَ بعضِ الألفاظ وتَردَادَ المعاني عيّاً إلا ما كان من النَّخّار بن أوسٍ العُذْري فإنّه كان إذا تكلّم في الحمالات وفي الصَّفح والاحتمال وصَلاح ذاتِ البَين وتخويفِِ الفريقَين من التّفانِي والبوَار - كان رُبَّما ردَّد الكلامَ على طريق التَّهويل والتَّخويف وربَّما حَمِيَ فنَخَر وقال ثمامة بنُ أشرس‏:‏ كان جعفرُ بنُ يحيى أنطَقَ الناس قد جَمَع الهُدوءَ والتمهُل والجزالة والحلاوة وإفهاماً يُغْنيه عن الإعادة ولو كان في الأرض ناطقٌ يَستغنِي بمنطقه عن الإشارة لاستغنى جعفرٌ عن الإشارة كما استغنى عن الإعادة وقال مَرَّةً‏:‏ ما رأيتُ أحداً كان لا يتحبَّس ولا يتوقَّف ولا يَتلجلج ولا يتنحنح ولا يَرتقب لفظاً قد استدعاه من بُعْد ولا يلتمس التخلص إلى معنىً قد تَعصَّى عليه طلبُه أشدَّ اقتداراً ولا أقلَّ تكلُّفاً من جعفرِ بن يحيى وقال ثُمامة‏:‏ قلت لجعفر بن يحيى‏:‏ ما البيان قال‏:‏ أن يكون الاسمُ يحيط بمعناك ويجلِّي عن مَغزاك وتُخْرِجَه عن الشِّرْكة ولا تستعين عليه بالفِكرة والذي لا بُدّ له منه أن يكون سليماً من التكلُّف بعيداً من الصّنعة بريئاً من التعقُّد غنِيّاً عن التأويل وهذا هو تأويلُ قولِ الأصمعيَ‏:‏ البليغُ مَن طَبَّقَ المَفْصِل وأغنَاك عن المُفسِّر وخَبَّرني جعفرُ بن سَعيدٍ رضيع أيوبَ بن جعفرٍ وحاجبُه قال‏:‏ ذُكِرَتْ لعَمرو ابن مَسْعَدة توقيعاتُ جعفرِ بن يحيى فقال‏:‏ قد قرأت لأم جعفرٍ توقيعاتٍ في حواشي الكتب وأسافلها فوجدتها أجوَدَ اختصاراً وأجمَعَ للمعاني قال‏:‏ ووصف أعرابي أعرابياً بالإيجاز والإصابة فقال‏:‏ كان واللّه يَضَع الهِناءَ مواضِع النُّقب يظنُّون أنه نَقل قولَ دريدِ بن الصَّمَّة في الخنساء بنتِ عمرِو بن الشّريد إلى ذلك الموضع وكان دريدٌ قال فيها‏:‏ من الكامل ما إنْ رأيت ولا سمِعتُ به في النّاسِ طاليَ أيْنُقٍ جُرْبِ متبذِّلاً تبدو محاسِنُه يضع الهِناءَ مَواضِعَ النُّقْبِ ويقولون في إصابة عين المعنى بالكلام الموجَز‏:‏ فلان يفُلُّ المحَزَّ ويصيب المفْصِل وأخَذَوا ذلك من صِفَة الجزّار الحاذق فجعلوه مثلاً للمصيب الموجِز وأنشدني أبو قَطَن الغَنَوي وهو الذي يقال له شهيد الكَرَم وكان أبْيَنَ مَن رأيتُه من أهل البَدْو والحَضر‏:‏ من الطويل فلو كنتُ مولى قيسِ عَيلانَ لم تَجدْ عَلَيَّ لمخلوقٍ مِن النَّاس دِرهَما ولكنَّني مولى قُضاعةَ كلِّها فلستُ أُبالي أن أدين وتغْرَمَا أولئك قومٌ بارَك الله فيهمُ على كلِّ حالٍ ما أعفَّ وأكرما جُفاةُ المَحَزِّ لا يُصيبون مَفْصِلاً ولا يأكلون اللّحمَ إلا تخذُّما يقول‏:‏ هم ملوكٌ وأشباهُ الملوك ولهم كُفَاةٌ فهمْ لا يحسِنون إصابة المفْصِل وأنشدني أبو عبيدةَ في وصُلْع الرّؤوسِ عِظَام البُطون جفاة المَحزِّ غِلاظَ القَصَرْ ولذلك قال الراجز‏:‏ ليس براعِي إبل ولا غَنَمْ ولا بجزّارٍ على ظَهْر وَضَمْ وقال الآخر وهو ابنُ الزِّبَعْرَى‏:‏ من المتقارب وفتيانِ صدْقٍ حسانِ الوُجو - هِ لا يجِدُون لشيءٍ ألَمْ مِنَ آل المُغيرةِ لا يَشْهدُو - نَ عند المَجازر لَحْمَ الوضَمْ وقال الرَّاعِي في المعنَى الأوَّل‏:‏ من الطويل فطَبَّقْنَ عُرْضَ القُفِّ ثمَّ جَزَعْنَهُ كما طبّقَتْ في العظم مُدْيةُ جازِرِ وأنشد الأصمعي‏:‏ من الطويل وكفّ فتىً لم يعرف السَّلخَ قَبْلَها تجُور يداه في الأديم وتجرَحُ وأنشد الأصمعي‏:‏ من البسيط لا يُمسِكُ العُرْف إلاّ ريث يُرسلُه لا يُلاطِم عند اللّحمِ في السُّوق وقد فسَّر ذلك لَبيدُ بن ربيعة وبَيَّنه وضرب به المثل حيث قال في الحُكْم بين عامر بن الطُّفيل وعَلقمةَ بن عُلاثَة‏:‏ من الرجز فطَبِّق المَفْصِلَ واغنَمْ طيِّبا يقول‏:‏ احكُمْ بين عامرِ بن الطُّفَيل وعَلقمةَ بن عُلاثة بكلمةِ فَصْل وبأمرٍ قاطع فتفصِلَ بها بين الحقِّ والباطل كما يَفْصل الجزّارُ الحاذق مَفْصِل العظمَين وقد قال الشاعر في هَرِم‏:‏ من الطويل قَضَى هرِمٌ يوم المُرَيْرَة بينهم قضاءَ امرئ بالأوّليَّة عالِم قَضَى ثم وَلَّى الحكم مَن كان أهلَه وليس ذُنَابَى الرِّيش مِثلَ القوادِم ويقال في الفحل إذا لم يُحْسِن الضِّراب‏:‏ جمل عَيَاياء وجمل طَبَاقاء وقالتْ امرأةٌ في الجاهلية تشكو زَوجها زوجي عَيَاياءُ طَبَاقَاء وكل داءٍ له داءٌ‏:‏ حتَّى جعلوا ذلك مثلاً للعَيّ الفَدْم والذي لا يتّجه للحجة وقال الشّاعر‏:‏ من الطويل طَبَاقاء لم يشهَدْ خُصوماً ولم يَقُدْ رِكاباً إلى أكوارها حين تُعْكَفُ وذكر زهير بن أبي سُلمى الخَطَل فعابه فقال‏:‏ من الطويل وذي خَطَلٍ في القول يحسِبُ أنّه مُصيبٌ فما يلمِمْ به فهو قائلُه عبأْتَ له حلماً وأكرَمْتَ غيرَه وأعرضْتَ عنه وهو بادٍ مقاتلُه وقال غيره‏:‏ من الكامل الشُّمْسُ مأخوذٌ من الخيل وهي الخيل المرِحَة الضاربة بأذنابها من النّشاط والمُجذَّر‏:‏ القصير والتِّنْبَال‏:‏ القصير الدَّنيء وقال أبو الأسود الدُّؤليّ وكان من المقدَّمين في العلم واسم أبي الأسود ظالم بن عمرو‏:‏ من الطويل وشاعرِ سَوْءِ يَهضِبُ القَولَ ظالماً كم اقْتَمَّ أعشى مُظْلِمُ الليل حاطبُ يَهضِب‏:‏ يُكثِر والأهاضيب‏:‏ المطر الكثير اقتمّ‏:‏ افتَعَل من القُمامة وأنشد‏:‏ من الرجز أعوذُ باللَّه الأعزِّ الأكرم مِنْ قَوْلِيَ الشيءَ الذي لم أعلَمِ تخَبُّطَ الأعمَى الضَّرِير الأيهَمِ وقال إبراهيم بن هَرْمَة في تطبيق المفصِل - وتُلحَق هذه المعاني بأخواتها قَبْلُ‏:‏ من الكامل وعَمِيمَةٍ قد سُقْتُ فيها عائراً غُفْلاً ومنها عائرٌ مَوْسُومُ طبَّقتُ مَفْصِلَها بغير حديدةٍ فرأى العدُوُّ غَنايَ حيث أقوم وهذه الصِّفات التي ذكرها ثُمامة بن أشْرسَ فوصف بها جعفرَ بن يحيى كانَ ثمامةُ بنُ أشْرَسَ قد انتظمَها لنفسه واستولى عليها دون جميعِ أهلِ عصره وما علمتُ أنّه كان في زمانه قَرَويٌّ ولا بَلَديٌّ كان بَلَغَ من حُسْن الإفهام مع قلّة عدد الحروف ولا من سُهولةِ المَخرَج مع السلامة من التكلُّف ما كان بلغَه وكان لفْظُه في وزن إشارته ومعناه في طَبَقة لفْظِه ولم يكن لفظُه إلى سمعك بأسرَعَ مِن معناه إلى قلبك قال بعضُ الكتّاب‏:‏ معاني ثُمامةَ الظّاهرةُ في ألفاظه الواضحةُ في مخارج كلامه كما وصف الخُرَيميُّ شِعرَ نفسه في مديح أبي دُلَفَ حيث يقول‏:‏ من المتقارب له كَلِمٌ فيك معقولةٌ إزاءَ القُلوب كركبٍ وُقوف وأوّلُ هذه القصيدة قولَه‏:‏ أبا دُلَفٍ دَلَفتْ حاجتي إليك وما خِلتُها بالدَّلوفِ ويظنُّون أن الخُرَيميَّ إنّما احتذى في هذا البيت على كلام أيُّوب بن القِرّيّة حين قال له بعضُ السلاطين‏:‏ ما أعدَدْتَ لهذا الموقف قال‏:‏ ثلاثة حروفٍ كأنَّهنَّ ركْبٌ وقوف‏:‏ دنيا وآخرةٌ ومعروف وحدَّني صالح بن خاقان قال‏:‏ قال شَبيب بن شيبة‏:‏ النَّاس موكَّلُون بتفضيل جودة الابتداء وبمدح صاحبه وأنا مُوَكَّل بتفضيل جودة القَطْع وبمدح صاحِبه وحَظُّ جودةِ القافية وإن كانت كلمةً واحدة أرفَعُ من حظِّ سائر البيت ثم قال شبيب‏:‏ فإن ابتُلِيتَ بمقاَمٍ لا بدَّ لك فيه من الإطالة فقدِّمْ إحكامَ البلوغ في طلب السّلامة من الخطَل قَبل التقدَّمِ في إحكام البلوغ في شَرَف التَّجويد وإيَّاك أن تَعْدِلَ بالسَّلامة شيئاً فإنَّ قليلاً كافياً خيرٌ من كثير غيرِ شاف ويقال إنَّهم لم يَرَوْا خطيباً قَطّ بلديّاً إلاّ وهو في أوّل تكلّفه لتلك المقامات كان مُستَثْقَلاً مستصلَفاً أيّامَ رياضته كلِّها إلى أن يتوقَّح وتستجيبَ له المعاني ويتمكّنَ من الألفاظ إلاّ شبيب بن شيبة فإنه كان قد ابتدأ بحلاوةٍ ورشاقة وسهولة وعُذوبة فلم يزل يزدادُ منها حتى صار في كلِّ موقفٍ يبلغُ بقليل الكلام ما لا يبلُغُه الخطباءُ المصاقع بكثيرِه قالوا‏:‏ ولمّا مات شَبيب بن شَيبة أتاهم صالح المُرّيّ في بعض مَنْ أتاهم للتَّعزية فقال‏:‏ رحمةُ اللَّه على أديب الملوك وجليس الفقراء وأخي المساكين وقال الرَّاجز‏:‏ من الرجز إذا غَدَتْ سعدٌ على شَبيبِها على فتاها وعلى خَطيبِها من مَطْلَع الشمس إلى مَغيبِها عجِبْتَ مَن كثرتِها وطيبها حدثني صديق لي قال‏:‏ قلت للعَتَّابيّ‏:‏ ما البلاغة قال‏:‏ كلُّ مَنْ أفهمك حاجته من غير إعادةٍ ولا حُبْسَة ولا استعانةٍ فهو بليغ فإن أردتَ اللِّسانَ الذي يرُوق الألسنة ويفوق كلَّ خطيب فإظهارُ ما غَمُض من الحقِّ وتصويرُ الباطل في صورة الحقّ قال‏:‏ فقلت له‏:‏ قد عرفتُ الإعادة والحُبْسَة فما الاستعانة قال‏:‏ أمَا تَرَاه إذا تحدّثَ قال عِند مقاطع كلامه‏:‏ يا هَنَاهُ ويا هذا ويا هَيه واسمَعْ مني واستمعْ إليَّ وافهمْ عنّي أوَلست تفهمُ أوَلست تعقِل فهذا كلُّه وما أشبهه عيٌّ وفساد قال عبد الكريم بن رَوْح الغِفَاريّ حدثني عُمَر الشَّمَّريُّ قال‏:‏ قيل لعمرو بن عُبيد‏:‏ ما البلاغة قال‏:‏ ما بَلَغَ بك الجنّة وعدَلَ بك عن النَّار وما بصَّرَك مواقعَ رُشْدِك وعواقبَ غَيِّك قال السائل‏:‏ ليس هذا أريد قال‏:‏ مَن لم يُحسنْ أن يسكُتَ لم يُحسن أن يَستمِع ومَن لم يحسن الاستماع لم يحسن القول قال‏:‏ ليس هذا أريد قال‏:‏ قال النبي‏:‏ إنّا مَعْشَرَ الأنبياء بِكَاءٌ أي قليلو الكلام ومنه قيل رجل بَكئٌ وكانوا يكرَهونَ أن يزيد منطِقُ الرجُل على عقْله قال‏:‏ قال السائل‏:‏ ليس هذا أُريد قال‏:‏ كانوا يخافون مِن فِتنة القول ومن سَقَطات الكلام ما لايخافون من فِتنة السكوت ومن سَقَطات الصمت قال السائل‏:‏ ليس هذا أريد قال عمرو‏:‏ فكأَنَّك إنّما تريد تخيُّر اللّفظ في حسن الإفهام قال‏:‏ نعم قال‏:‏ إنك إنْ أُوتيتَ تَقريرَ حُجّة اللَّه في عقول المكَلَّفِِين وتخفيفَ المَؤُونة على المستمعين وتزيينَ تلك المعاني في قلوب المريدينَ بالألفاظِ المستحسَنة في الآذان المقبولة عند الأذهان رغبةً في سُرعة استجابتهم ونَفْيِ الشّواغلِ عن قلوبهم بالموعظة الحسنة على الكِتاب والسّنّة كنْتَ قد أُوتِيتَ فَصلَ الخِطاب واستوجبتَ على اللَّه جزيلَ الثّواب قلت لعبد الكريم‏:‏ مَن هذا الذي صَبَر له عَمروٌ هذا الصّبر قال‏:‏ قد سألت عن ذلك أبا حفص فقال‏:‏ ومن كَان يجترئ عليه هذه الجُرأة إلاّ حفص بن سالم قال عُمَر الشَّمَّرِي‏:‏ كان عمرو بن عُبيدٍ لا يكاد يتكلّم فإذا تكلّم لم يكَدْ يُطيل وكان يقول‏:‏ لا خير في المتكلِّم إذا كان كلامه لَمنْ شهِدَه دونَ نفسه وإذا طال الكلامُ عرضَت للمتكلِّم أسبابُ التَّكلف ولاخيرَ في شيءٍ يأتيك به التكلُّف وقال بعضهم - وهو مِن أحسَن ما اجتبَيْناه ودَوَّنّاه - لا يكون الكلامُ يستحق اسمَ البلاغة حتَّى يسابقَ معناه لفظَه ولفظُهُ معناه فلا يكونَ لفظُه إلى سمعك أسبَقَ من معناه إلى قلبك وكان مُوَسى بن عمران يقول‏:‏ لم أرَ أنطَقَ من أيّوبَ بنِ جعفر ويحيى بن خالد وكان ثُمامة يقول‏:‏ لم أر أنطَقَ من جعفرِ بنِ يحيى بن خالد وكان سهلُ بن هارونَ يقول‏:‏ لم أر أنطَقَ من المأمونِ أميرِ المؤمنين وقال ثُمامة‏:‏ سمعت جعفر بن يحيى يقول لكُتّابِه‏:‏ إن استطعتم أن يكون كلامُكم كله مِثلَ التَّوقيع فافعلوا وسمعت أبا العتاهِيَة يقول‏:‏ لو شئتُ أن يكون حديثي كلُّه شعراً موزوناً لكان وقال إسحاق بن حسان بن قُوهيّ‏:‏ لم يفسِّر البلاغَة تفسيرَ ابنِ المقفَّع أحدٌ قَطُّ سُئِل ما البلاغة قال‏:‏ البلاغة اسمٌ جامعٌ لمعانٍ تجري في وجوهٍ كثيرة فمنها ما يكون في السُّكوت ومنها ما يكون في الاستماع ومنها ما يكون في الإشارة ومنها ما يكون في الاحتجاج ومنها ما يكون جواباً ومنها ما يكون ابتداءً ومنها ما يكون شعراً ومنها ما يكون سَجعْاً وخُطباً ومنها ما يكون رسائل فعامّةُ ما يكون من هذه الأبواب الوحيُ فيها والإشارةُ إلى المعنى والإيجازُ هو البلاغة فأمّا الخُطَب بين السِّماطَين وفي إصلاح ذاتِ البَين فالإكثارُ في غير خَطَل والإطالةُ في غير إملال وليكن في صدر كلامك دليلٌ على حاجتك كما أنَّ خيرَ أبياتِ الشعر البيتُ الذي إذا سمِعْتَ صدْرَه عرَفْتَ قافيتَه كأنّه يقول‏:‏ فرِّقْ بينَ صدر خطبة النكاح وبين صَدْر خُطْبة العيد وخُطبة الصُّلْح وخُطبة التّواهُب حتَّى يكونَ لكّ فنٍّ من ذلك صدرٌ يدلُّ على عَجُزِه فإنّه لا خيرَ في كلامٍ لا يدلُّ على معناك ولا يشير إلى مَغْزَاك وإلى العَمود الذي إليه قصدتَ والغرضِ الذي إليه نزَعت قال‏:‏ فقيل له‏:‏ فإنْ مَلَّ السامعُ الإطالةَ التي ذكَرْتَ أنّها حقُّ ذلك الموقِف قال‏:‏ إذا أعطَيْتَ كلَّ مَقامٍ حَقَّه وقمتَ بالذي يجبُ من سياسة ذلك المقام وأرضيْتَ من يعرف حقوقَ الكلام فلا تهتمَّ لما فاتَكَ من رضا الحاسد والعدُوّ فإنّه لا يرضيهما شيءٌ وأمّا الجاهلُ فلستَ منه وليس منك ورِضَا جميعِ النَّاس شيءٌ لا تنالُه وقد كان يُقال‏:‏ رضا النَّاسِ شيءٌ لا يُنال قال‏:‏ والسُّنّة في خطبة النكاح أن يطيل الخاطبُ ويقصِّر المُجيب ألا تَرَى أنّ قيسَ بنَ خارجةَ بنِ سِنانٍ لما ضرب بصفيحة سيفه مؤخِّرةَ راحلَتِي الحامِلَيْن في شأن حَمَالة داحسِ والغبْراء وقال‏:‏ مالي فيها أيُّها العَشَمتان قالا له‏:‏ بل ما عندك قال‏:‏ عندي قِرى كلِّ نازل ورِضا كلِّ ساخط وخطبةٌ من لدُن تطلُع الشّمس إلى أن تغرُب آمُرُ فيها بالتّواصلُ وأنْهَى فيها عن التَّقاطُع قالوا‏:‏ فخطب يوماً إلى اللّيل فما أعادَ فيها كلمةً ولا معنىً فقيل لأبي يعقوب‏:‏ هلاَّ اكتَفَى بالأمر بالتَّواصُل عن النَّهي عن التَّقاطع أوَ ليس الأمرُ بالصّلَة هو النَّهيُ عن القطيعة قال‏:‏ أو ما علِمْتَ أنّ الكنايةَ والتعريض لا يعملانِ في العقول عملَ الإفصاح والكَشْف قال‏:‏ وسُئِل ابنُ المقفَّع ن قول عمر رحمه اللَّه‏:‏ ما يتصَعَّدُني كلامٌ كما تتصعَّدَني خطبةُ النِّكاح قال‏:‏ ما أعرفه إلا أن يكون أراد قُربَ الوجوه من الوجوه ونَظر الحداق من قُربٍ في أجواف الحِداق ولأنّه إذا كان جالساً معهم كانوا كأنَّهُم نُظَراءُ وأَكْفَاءٌ فإذا عَلاَ المنبرَ صارُوا سُوقةً ورَعِيّةً وقد ذهب ذاهبونَ إلى أنّ تأويلَ قولِ عمرَ يرجع إلى أنّ الخطيب لا يجد بُدّاً من تزكية الخاطب فلعله كرِه أن يمدحَه بما ليس فيه فيكونَ قد قال زُوراً وغَرَّ القومَ من صاحبِه ولعمري إنّ هذا التأويل لَيجوز إذا كان الخطيب موقوفاً عن الخَطابة فأمَّا عمرُ بنُ الخطّاب رحمه اللَّه وأشباهُه من الأئمة الراشدين فلم يكونوا ليتكلّفوا ذلك إلا فيمن يستحقّ المدح وروى أبو مِخْنَف عن الحارث الأعور قال‏:‏ واللَّهِ لقد رأيتُ عليّاً وإنَّه ليخطُبُ قاعداً كقائم ومحارِباً كمُسالم يريد بقوله‏:‏ قاعداً خطبة النكاح وقال الهيثمُ بن عدِيّ‏:‏ لم تكن الخطباءُ تخطب قُعوداً إلاّ في خُطْبة النكاح وكانوا يستحسنون أن يكون في الخُطَبِ يومَ الَحَفْل وفي الكلام يوم الجَمْع آيٌ من القرآن فإن ذلك مما يورث الكلام البهاءَ والوَقار والرّقة وسَلَس الموقِع قال الهيثم بن عديّ‏:‏ قال عِمران بن حِطّان‏:‏ إنّ أوّلَ خطبةٍ خطبتُها عند زياد - أو عند ابن زياد - فأعجِبَ بها النّاس وشهدها عَمّي وأبي ثم إنِّي مررتُ ببعض المجالس فسمعتُ رجلاً يقولُ لبعضهم‏:‏ هذا الفتى أخطَبُ العربِ لو كان في خطبته شيءٌ من القرآن وأكثرُ الخُطباء لا يتمثَّلون في خطبهم الطِّوال بشيءٍ من الشِّعر ولا يكرهونه في الرسائل إلاّ أن تكون إلى الخلفاء وسمعتُ مُؤمَّل بنَ خاقانَ وذكر في خطبته تميمَ بن مُرّ فقال‏:‏ إنَّ تميماً لها الشَّرفُ العَودُ والعزُّ الأقعَس والعدد الهَيْضَل وهي في الجاهليّة القُدَّامُ والذِّروةُ والسَّنام وقد قال الشاعر‏:‏ من الوافر فقلتُ له وأنْكَرَ بعضَ شأنِي ألم تعرِفْ رقابَ بني تميم وكان المؤمَّل وأهلُه يخالفون جُمهور بني سعدٍ في المقالة فلشدّة تَحَدُّبه على سَعْدٍ وشفقته عليهم كان يناضِل عند السُّلطان كلَّ مَن سعى على أهل مقالتهم وإن كان قولُه خلافَ قولهم حدَباً عليهم وكان صالح المُرِّيّ القاصُّ العابد البليغ كثيراً ما ينشد في قَصَصه وفي مواعظه هذا البيت‏:‏ من المتقارب فباتَ يُرَوِّي أُصولَ الفسيلِ فعاشَ الفسِيلُ ومات الرّجُلْ وأنشد الحسنُ في مجلِسه وفي قَصَصه وفي مواعظه‏:‏ من الخفيف ليس مَن ماتَ فاستراحَ بميْتٍ إنما الميت ميت الأحياء وأنشد عبدُ الصمد بن الفَضْل بن عيسى بن أبَانٍ الرَّقاشيّ الخطيب القَاصُّ السَّجَّاع إمّا في أرضٌ تخيَّرَها لطيب مَقِيلها كعبُ بن مامةَ وابنٌ أمِّ دُوَادِ جَرَتِ الرِّياحُ عَلَى مَحلِّ دِيارِهم فكأنَّهُمْ كَانُوا على مِيعادِ فأرَى النعيمَ وكُلَّ ما يُلهَى به يوماً يَصِيرُ إلى بِلىً ونَفادِ وقال أبو الحسن‏:‏ خطب عبيد اللَّه بن الحسن على منبر البصرة في العيد وأنشد في خطبته‏:‏ من البسيط أين الملوكُ التي عن حَظِّها غَفلَتْ حتَّى سقاها بكأسِ الموت ساقيها تلك المدائنُ بالآفاقِ خاليةً أمست خلاءً وذاق الموتَ بانِيها قال‏:‏ وكان مالكُ بن دينارٍ يقولُ في قَصصه‏:‏ ما أشَدَّ فِطام الكبير وهو كما قال القائل‏:‏ من الكامل وتَرُوضُ عِرسَكَ بعدما هَرِمَتْ ومن العَنَاءِ رياضة الهَرِمِ ومثله أيضاً قول صالح بن عبد القُدُّوس‏:‏ من السريع والشيخُ لا يترُكُ أخلاقَه حتَّى يُوارَى في ثَرى رَمْسِهِ إذا ارعَوَى عادَ إلى جَهْله كذي الضَّنَى عاد إلى نُكْسِه وقال كلثومُ بن عمرٍو العَتّابيّ‏:‏ من الطويل ولكن فِطامُ النَّفسِ أثْقَلُ مَحْمَلاً من الصَّخرةِ الصَّمَاء حين تَرومُها وكانوا يَمْدحون الجهيرَ الصّوتِ ويذُمُّون الضّئيلَ الصّوت ولذلك تشادقوا في الكلام ومدَحُوا سَعة الفم وذمُّوا صِغَر الفم قال‏:‏ وحدّثني محمد بن يَسيرٍ الشّاعر قال‏:‏ قيل لأعرابيّ‏:‏ ما الجمال قال‏:‏ طُولُ القامة وضِخَم الهامة ورُحب الشِّدق وبُعْد الصَّوت وسأل جعفرُ بن سليمانَ أبا المِخشّ عن ابنه المِخَشّ وكان جزِع عليه جزعاً شديداً فقال‏:‏ صفْ لي المِِخشَّ فقال‏:‏ كان أشدق خُرطُمانيّاً سائلاً لعابُه كأنّما ينظر من قَلْتَيْن وكأنَّ تَرقُوَتَهُ بُوانٌ أو خالِفَةٌ وكأن مَنْكِبَه كِرْكِرةُ جملٍ ثَفَالٍ فقأ اللَّهُ عينيَّ إن كنتُ رأيتُ قبلَه أو بعدَه مِثَلهُ قال‏:‏ وقلتُ لأَعرابيٍّ‏:‏ ما الجمال قال‏:‏ غُؤُور العَينَين وإشراف الحاجبين ورُحْب الشِّدقين وقال دَغْفَل بن حنظلة النسّابة والخطيب العلاّمة حين سَألَه معاوية عن قبائل قريش فلما انتهى إلى بني مخزوم قال‏:‏ مِعْزَى مَطيرةٌ علَتْها قُشَعْريرة إلا بني المُغيرة فإن فيهم تشادُقَ الكلام مصاهرةَ الكرام وقال الشاعر في عمرو بن سعيد الأشدق‏:‏ من الطويل تشادقَ حتى مال بالقول شِدقهُ وكلُّ خطيبٍ لا أبَا لَكَ أشْدقُ وأنشد أبو عبيدة‏:‏ من المتقارب وصُلع الرُّؤوس عِظام البُطون رحاب الشِّداق غلاظ القَصَرْ قال‏:‏ وتكلَّم يوماً عند معاويةَ الخطباءُ فأحسنوا فقال‏:‏ واللَّه لأرمينهمْ بالخطيب الأشدَق قم يا يزيدُ فتكلّمْ وهذا القولُ وغيرُه من الأخبار والأشعار حُجّةٌ لمن زَعم أنّ عمرو بن سعيدٍ لم يُسمَّ الأشدقَ للفَقَم ولا للفَوَه وقال يحيى بن نوفل في خالد بن عبد اللَّه القسريّ‏:‏ من البسيط بَلّ السّروايلَ مِن خوفٍ ومن وَهَلٍ واستَطْعَمَ الماءَ لما جَدَّ في الهَرَب وألحَنُ النَّاسِ كلِّ النَّاسِ قاطبةً وكان يُولَع بالتشديق في الخُطَبِ ويدلُّك على تفضيلهم سَعةَ الأشداقِ وهجائهم ضيقَ الأفواه قول الشاعر‏:‏ من الطويل لحى اللَّهُ أفْواهَ الدَّبَي مِن قَبيلَةٍ إذا ذُكرت في النّائبات أمورُها وقال آخر‏:‏ من الوافر وأفواهُ الدبي حامَوْا قليلاً وليس أخو الحِماية كالضَّجُورِ وإنّما شبّهَ أفواهَهم بأفواه الدَّبَى لصِغَر أفواههم وضِيقها وعلى ذلك المعنى هجا عَبْدة بن الطبيب حُيَيَّ بن هَزَّالٍ وابنَيه فقال‏:‏ من البسيط تدعو بُنَيَّكَ عَبّاداً وجرثمةً يا فأرةٍ شجَّها في الجُحْرِ مِحفَارُ وقد كان العباس بن عبد المطلب جهيراً جهيرَ الصوت وقد مُدح بذلك وقد نفَع اللَّه المسلمينَ بجهارة صوته يوم حُنين حين ذهَب الناس عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فنادى العباسُ‏:‏ يا أصحابَ سُورةِ البقَرة هذا رسول اللَّه فتراجَعَ القومُ وأنزل اللَّه عزّ وجلَّ النَّصرَ وأتى بالفتح ابنُ الكلبيِّ عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال‏:‏ كان قَيْسُ بنُ مَخْرَمةَ بنِ المطَّلب بن عبد مناف يمكُو حَولَ البيت فيُسمَع ذلك من حِرَاء قال اللَّه عزّ وجلّ‏:‏ ‏"‏ وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَيْتِ إلاَّ مُكَاءً وَتَصدِيَةً ‏"‏ الأنفال‏:‏ 53 فالتصدية‏:‏ التصفيق والمُكاء‏:‏ الصَّفيرُ أو شبيهٌ بالصَّفير ولذلك قال عنترة‏:‏ من الكامل وحَليلِ غانيةٍ تركت مُجدّلاً تمكُو فريصتُه كشِدْقِ الأعْلَمِ وقال العُجَيرْ السَّلُوليُُّ في شِدّة الصوت‏:‏ من الطويل ومِنْهنَّ قَرعِي كلَّ بابٍ كأنّما به القومُ يَرجُونَ الأَذِينَ نُسُورُُ فجئتُ وخَصْمي يَصْرِفُون نُيوبهم كما قُصِّبَت بين الشّفَار جَزُورُ لدى كلِّ موثوق به عندَ مِثْلها له قدمٌ في النّاطقين خطيرُ جهيرٌ وممتدُّ العنان مُناقلٌ بصيرٌ بعَوْرات الكلامِ خبيرُُ فظلَّ رِداءُ العَصْب مُلقىً كأنّه سَلَى فرسٍ تحتَ الرِّجال عقير لوَ أنَّ الصُّخورَ الصُّم يَسمَعن صَلْقَنا لرُحْنَ وفي أعراضهن فُطورُ الصَّلْقُ‏:‏ شدة الصوت وفُطُور‏:‏ شقوق وقال مُهلْهل‏:‏ من الوافر والصَّريف‏:‏ صوت احتكاك الأنياب والصَّليل‏:‏ صوت الحديد هاهنا وفي شِدَّة الصَّوت قال الأعشى في وصف الخطيب بذلك‏:‏ من الخفيف فيهم الخِصْبُ والسَّماحة والنج - دَةُ جَمْعاً والخَاطبُ الصَّلاّقُُ وقال بشّار بن برد في ذلك يهجو بعضَ الخطباء‏:‏ من الطويل ومِن عجَب الأيام أنْ قمتَ ناطقاً وأنتَ ضئيلُ الصّوت منتفخ السَّحْرِ ووقع بين فتىً من النَّصارى وبين ابن فهْريز المِطران كلامٌ فقال له الفتى‏:‏ ما ينبغي أن يكون في الأرض رجلٌ واحدٌ أجهلَ منك وكان ابنُ فِهْريز في نفسه أكثَر النّاسِ علماً وأدباً وكان حريصاً على الجَثْلقةِ فقال للفتى‏:‏ وكيف حلَلْتُ عندَك هذا المحلَّ قال‏:‏ لأنّك تَعلم أنّا لا نتَّخذ الجاثَلِيقَ إلاّ مَدِيدِ القامة وأنت قصيرُ القامة ولا نتّخذه إلاّ جهيرَ الصوتِ جيّد الحَلق وأنت دقيق الصَّوت رديء الحلْق ولا نتَّخذه إلاّ وهو وافرُ اللِّحية عظيمُها وأنت خفيفُ اللِّحية صغيرها وأنت تعلم أنّا لا نختار للجَثْلَقة إلاّ رجلاً زاهداً في الرِّياسة وأنت أشدُّ النَّاس عليها كَلَباً وأظهرُهم لها طلباً فكيف لا تكونُ أجهَلَ النّاسِ وخصالُك هذه كلُّها تمنع من الجثْلقة وأنتَ قد شَغلْتَ في طلبها بالَكَ وأسهرت فيها لَيْلَك وقال أبو الحَجْناء في شِدَّة الصوت‏:‏ من الرجز إني إذا ما زبّبَ الأشداقُ والتجَّ حولِي النّقْع واللَّقْلاَقُ المِرْجم‏:‏ الحاذق بالمراجمة بالحجارة والوَدَّاق‏:‏ الذي يُسيل الحجارةَ كالوَدْق من المطَر وجاء في الحديث‏:‏ مَن وَقِيَ شَرّ لَقلقِه وقَبْقَبه وذَبذَبه وُقيَ الشرّ يعني لسانَه وبطنَه وفرْجه وقال عمر بن الخطاب في بَواكي خالدِ بن الوليد بن المغيرة‏:‏ وما عليهنَّ أن يُرِقن مِن دموعهنّ على أبي سُليمان ما لم يكن نَقْع أو لَقلَقةٌ وجاء في الأثر‏:‏ ليس منا مَن حَلَق أو صَلَق أو سَلَق أو شَقَّ ومما مَدَح به العُمانيُّ هارونَ الرّشيدَ بالقصيد دون الرجز قولُه‏:‏ من المتقارب جَهير العُطَاس شَديد النِّياطِ جَهِير الرُّوَاء جَهيرُ النّغَمْ ويخطو على الأَيْن خَطْوَ الظّليمِ وَيعلُو الرّجالَ بجسمٍ عَمَمْ النّياط‏:‏ معاليق القلب والأَينُ‏:‏ الإعياءُ والظّليم‏:‏ ذكر النعام ويقال إنه لعَمَم الجسم وإن جسمَه لعَمَمٌ إذا كان تامّاً ومنه قيل‏:‏ نبتٌ عمم واعتمَّ النّبت إذا تَمَّ وكان الرَّشيد إذا طاف بالبيت جعَلَ لإزاره ذنبَيْنِ عن يمينٍ وشمالٍ ثمّ طاف بأوسَعَ مِن خطو الظّليم وأسرعَ من رَجْعِ يدِ الذّئب وقد أخبرني إبراهيم بن السِّنديّ بمحصول ذَرْع ذلك الخَطْو إلا أني أحسِبه فراسخ فيما رأيته يذهب إليه وقال إبراهيم‏:‏ ونظر إليه أعرابيٌّ في تلك الحال والهيئة فقال‏:‏ خَطوَ الظّليمِ ريع مُمْسىً فانشمَرْ ريع‏:‏ فُزّع مُمسىً‏:‏ حين المَساء انشمر‏:‏ جَدّ في الهرب وحدَّثني إبراهيم بن السِّنديّ قال‏:‏ لما أَتى عبدَ الملك بن صالحٍ وفدُ الرّوم وهو في بلادهم أقام على رأسه رجالاً في السِّماطين لهم قَصَرٌ وهامٌ ومناكبُ وأجسام وشواربُ وشعور فبينا هم قيامٌ يكلِّمونه ومنهم رجلٌ وجهُه في قفا البِطْريق إذْ عَطَس عَطسةً ضئيلة فلحظه عبدُ الملك فلم يدر أيَّ شيء أنكَرَ منه فلما مضى الوفدُ قال له‏:‏ ويلَكَ هَلا إذْ كنتَ ضيِّق المنخر كزَّ الخَيْشوم أتبَعْتَها بصيحةٍ تخلع بها قلب العِلْج وفي تفضيل الجَهارة في الخُطب يقول شَبَّةُ بن عِقَالٍ بعَقِبِ خطبته عند سليمانَ بنِ عليّ بن عبد اللَّه بن عباس‏:‏ من الطويل ألا ليتَ أمَّ الجهم واللَّه سامعٌ ترى حيثُ كانت بالعراق مَقامي عشِيّةَ بَذَّ الناسَ جهري ومَنْطِقي وبَذَّ كلامَ النَّاطقين كلاميُ وقال طحلاءُ يمدح معاويةَ بالجهارة وبجودة الخطبة‏:‏ من المتقارب رَكُوبُ المنابر وثَّابُها مِعَنٌّ بخُطبَته مِجْهرُ تَرِيعُ إليه هَوادي الكلامِ إذا ضَلّ خُطبتَه المِهْذَرُُ مِعَنٌّ‏:‏ تَعِنّ له الخطبة فيخطبُها مقتضِباً لها تَريع‏:‏ ترجع إليه هوادي الكلام‏:‏ أوائله فأراد أنَّ معاويَةَ يخطب في الوقت الذي يذهب كلامُ المِهْذَر فيه والمِهْذَرُ‏:‏ المكْثارُ وزعموا أنّ أبا عطيّةَ عُفَيفاً النَّصريّ في الحرب التي كانت بين ثقيفٍ وبين بني نَصر لمّا رأى الخيل بعَقْوته يومئذ دَوَائِسَ نادى‏:‏ يا صباحاه أُتِيتم يا بني نَصر فألقت الحَبالَى أولادَها مِن شدّة صوته قالوا‏:‏ فقال ربيعةُ ابن مسعودٍ يصف تلك الحربَ وصوتَ عُفَيف‏:‏ من الطويل عُقاماً ضَرُوساً بين عوفٍ ومالك شديداً لَظَاها تترك الطِّفلَ أشْيَبا وكانت جُعَيلٌ يوم عَمْرو أراكةٍ أُسودَ الغَضَى غَادَرْنَ لحماً مُترَّبا ويومٍ بِمَكْرُوثاءَ شَدَّتْ مُعَتِّبٌ بغاراتها قد كان يوماً عَصَبْصَبَا فأسقَطَ أحبالَ النّساء بصوته عُفَيفٌ وقد نادى بنصرٍ فَطَرّبا وكان أبو عروة الذي يقال له أبو عُروةِ السِّباعِ يصيح بالسَّبُع وقد احتمَل الشَّاة فيخلّيها ويذهبُ هارباً على وجهِه فضرب به الشّاعرُ المَثَل - وهو النابغةُ الجعديّ - فقال‏:‏ من المنسرح وأزْجُر الكاشحَ العدُوَّ إذا اغْ - تابَكَ عندي زَجْراً على أضَمِ زجْرَ أبي عُروةَ السِّبَاعَ إذا أشفَقَ أن يلتَبِسْنَ بالغَنَمِ وأنشد أبو عمرٍو الشّيبانيُّ لرجلٍ من الخوارج يصف صيحة شبيبِ بن يزيد بن نُعَيم قال أبو عبيدة وأبو الحَسَن‏:‏ كان شبيبٌ يصيح في جنَبات الجيشِ إذا أتاه فلا يَلوِي أحدٌ على أحد وقال الشاعر فيه‏:‏ من البسيط إنْ صاح يوماً حسِبتَ الصَّخرَ منحدِراً والرِّيحَ عاصفةً والموجَ يلتطمُ قال أبو العاصي‏:‏ أنشدني أبو مُحرِز خلفُ بنُ حيَّانَ وهو خلفٌ الأحمر مولى الأشعريِّين في عيب التشادق‏:‏ من الطويل له حَنْجرٌ رَحْبٌ وقول منقّحٌ وفَصْلُ خطابٍ ليس فيه تشادقُ إذا كان صوتُ المرء خَلْفَ لَهاتهِ وأنْحَى بأشداقٍ لهنَّ شَقاشِقُ وقبقَبَ يَحكِي مُقْرَماً في هِبابِه فليس بمسبوقٍ ولا هو سابقُُ وقال الفرزدق‏:‏ من الوافر شقاشِقُ بين أشداق وهامِ وأنشد خلفٌ‏:‏ من الطويل وما في يديه غيرُ شِدقٍ يُميله وشِقْشِقةٍ خَرساءَ ليس لها نَعْبُ متَى رامَ قولاً خالفته سجيّةٌ وضِرس كقَعْب القَينِ ثَلّمَه الشّعْبُُ وأنشد أبو عمرٍو وابنُ الأعربيّ‏:‏ وجاءت قريشٌ قريشُ البطَاح هي العُصَبُ الأُوَلُ الدَّاخِلَهْ يقودُهُم الفِيلُ والزَّنْدَبيلُ وذو الضِّرس والشَّفةِ المائلهْ ذو الضرس وذو الشفة هو خالد بن سَلَمة المخزوميّ الخطيب الفيلُ والزَّندبيل‏:‏ أبان والحكم ابنا عبدِ الملك بن بشر بن مروان يَعني دُخُولَهم على ابن هبيرة والزَّندبيل‏:‏ الأنثى من الفيَلة فيما ذكر أبو اليقظان سُحيم بن حفص وقال غيره‏:‏ هو الذّكر فلم يقِفُوا من ذلك على شيء وقال الشاعر في خالد بن سَلَمة المخزوميّ‏:‏ من المتقارب فما كان قائلَهم دَغْفَلٌ ولا الحيقُطَان ولا ذو الشَّفَهْ قوله دَغفل إيد دَغفل بن يزيد بن حنظلة الخطيب النَّاسب والحَيْقُطَان‏:‏ عبدٌ أسودُ وكان خطيباً لا يُجارَى وأنشد بعضُ أصحابنا‏:‏ من الطويل وقافيةٍ لجْلجتُها فرددتها لذي الضرس لو أرسلتُها قَطرتْ دَما وقال الفرزدق‏:‏ أنا عند الناس أشعرُ العرب ولرُبَّما كان نزْعُ ضِرسٍ أيسرَ عليَّ من أن أقول بيت شعر قال‏:‏ وأنشدنا منيع‏:‏ من الطويل فجئتُ ووَهبٌ كالخَلاة يضمُّها إلى الشِّدق أنيابٌ لهنّ صريفُ فقَعقعتُ لَحيَيْ خالدٍ واهتضمتُه بُحُجَّة خَصمٍ بالخصوم عنيفُُ أبو يعقوب الثَّقَفِي عن عبد الملك بن عميْر قال‏:‏ سئل الحارث بن أبي ربيعة عن عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللَّه عنه فقال‏:‏ كم كان له ما شئتَ من ضرسٍ قاطعٍ في العلم بكتاب اللَّه والفقهِ في السنّة والهجرة إلى اللَّه ورسوله والبَسطة في العَشيرة والنَّجدة في الحرب والبذلِ للماعون ولم تُلفِني فَهّاً ولم تُلْفِ حُجّتي ملجلَجةً أبغِي لها مَن يُقيمُها ولا بتُّ أُزْجيها قَضيباً وتَلتوي أراوِغُها طوراً وطوراً أَضِيمُها وأنشدني أبو الرُّدينيّ العُكْلي‏:‏ من الطويل فتىً كان يعلو مَفرِقَ الحقِّ قولُه إذا الخطباءُ الصِّيد عَضَّل قيلُها وقال الخُريميُّ في تشادق عليّ بن الهيثم‏:‏ من الخفيف يا عليَّ بنَ هيثمٍ يا سُماقا قد ملأْتَ الدُّنْيا علينا نِفاقا خَلِّ لَحيَيْك يسكُنانِ ولا تضْ - رب على تغلِبٍ بلَحْييْك طاقا لا تَشادَقْ إذا تكلّمتَ واعلمْ أنَّ للنّاسِ كلِّهم أشداقا وكان عليُّ بن الهيثمِ جواداً بليغَ اللسان والقلم وقال لي أبو يعقوب الخُرَيميّ‏:‏ ما رأيت كثلاثة رجالٍ يأكلون الناس أكلاً حتّى إذا رأوا ثلاثةَ رجالٍ ذابوا كما يذوب الملح في الماء والرّصاص في النّار‏:‏ كان هشام ابن محمدٍ علاّمةً نسّابة وراويةً للمثالب عيّابة فإذا رأى الهيثم بنَ عديّ ذاب كما يذوب الرَّصاص في النّار وكان عليّ بن الهيثم مِفْقَعانِيّاً صاحب تفقيع وتقعير ويستولي على كلام أهل المجلس لا يحفِل بشاعرٍ ولا بخطيبٍ فإذا رأى مُوسَى الضبّيَّ ذابَ كما يذوب الرَّصاص عند النّار وكان عَلّويه المغنِّي واحِدَ النّاسِ في الرِّواية وفي الحكاية وفي صنعة الغِناء وجَوْدة الضَّرب وفي الإطراب وحسن الخَلْق فإذا رأى مُخارقاً ذاب كما يذوب الرَّصاص عند النار ثم رجع بنا القول إلى ذكر التشديق وبُعْد الصوت قال أبو عبيدة‏:‏ كان عُروة بن عتبة بن جعفر بن كلابِ رَديفاً للملوك ورحّالاً إليهم وكان يقال له عُروةُ الرَّحّال فكان يومَ أقبَلَ مع ابن الجوْن يريد بني عامر فلمَّا انتهى إلى وارداتٍ مع الصُّبح قال له عُروة‏:‏ إنّك قد عَرَفتَ طولَ صحبتي لك ونَصيحتي إيّاك فائْذَن لي فأهتِفَ بقومي هَتفةً قال‏:‏ نَعم وثلاثاً فقام فنادى‏:‏ يا صَبَاحَاه ثلاثَ مرّات قال‏:‏ فسمِعْنا شيوخَنا يزعمون أنّه أسمَعَ أهل الشِّعب فتلبَّبوا للحرب وبَعَثُوا الرَّبَايَاُُ ينظرون من أين يأتِي القوم قال‏:‏ وتقول الرُّوم‏:‏ لولا ضَجّة أهل رُومِيَّة وأصواتُهم لسَمِع النّاس جميعاً صوتَ وُجوب القُرْص في المغْرِب وأعْيَبُ عندهم مِن دقّة الصوت وضِيق مخرَجِه وضعف قُوّته أن يعترِيَ الخطيبَ البُهْرُ والارتعاش والرِّعدة والعَرَق قال أبو الحسن‏:‏ قال سفيان بن عُيَيْنة‏:‏ تكلَّم صَعصعةُ عند معاويةَ فعرِقَ فقال معاوية‏:‏ بَهَرك القول فقال صعصعة‏:‏ إنّ الجياد نَضّاحةٌ بالماء والفرس إذا كان سريعَ العرق وكان هشّاً كان ذلك عَيْباً وكذلك هو في الكثرة فإذا أبطأ ذلك وكان قليلاً قيل‏:‏ قد كبا وهو فرسٌ كاب وذلك عيبٌ أيضاً وأنشدني ابنُ الأعرابيّ لأبي مِسمارٍ العكليّ في شبيهٍ لِلَّهِ دَرُّ عامرٍ إذا نَطَقْ في حَفْل إمْلاك وفي تلك الحِلََقْ ليس كقومٍ يُعْرَفون بالسَّرَقْ من خُطَب النَّاس وممّا في الوَرَقْ يلفّقُون القولَ تلفِيق الخَلَقْ مِن كلِّ نَضّاح الذَّفَارَى بالعَرقْ إذا رمَتْه الخطباءُ بالحَدَقْ والذّفارَى هنا‏:‏ يعني بدن الخطيب والذِّفريانِ للبعير وهما اللَّحمتان في قفاه وإنّما ذكر خطب الإملاك لأنّهم يذكرون أنّه يَعْرِض للخطيب فيها مِن الحَصَر أكثرُ ممّا يَعرِض لصاحب المِنبر ولذلك قال عمرُ بن الخطّاب رحمه اللّه‏:‏ ما يتصَعَّدُني كلامٌ كما تتصعَّدُني خُطبة النكاح وقال العُمَانيُّ‏:‏ من الرجز لا ذِفِرٌ هَشٌّ ولا بكابِي ولا بلجلاجٍ ولا هَيَّابِ الهشُّ‏:‏ الذي يَجُود بعرقه سريعاً وذلك عَيب والذَّفِرُ‏:‏ الكثير العرق والكابي‏:‏ الذي لا يكاد يَعرق كالزَّنْد الكابي الذي لا يكاد يُورِي فجعل له العُماني حالاً بين حالينِ إذا خَطَب وخَبَّر أنّه رابطُ الجأْش معاودٌ لتلك المقامات وقال الكميت بن زيد - وكان خطيباً -‏:‏ إنّ للخطبة صَعْداءَ وهي على ذي اللُّب أرْمَى وقولهم‏:‏ أرمَى وأرْبَى سواءٌ يقال‏:‏ فلان قد أرمَى على المائة وأربَى ولم أر الكميتَ أفصَحَ عن هذا المعنى ولا تَخَلّص إلى خاصَّته وإنَّما يجترئ على الخَطَبَةِ الغِرّ الجاهل الماضي الذي لا يَثنيه شيءٌ أو المطبوع الحاذق والواثقُ بغَزَارته واقتداره فالثِّقة تنفِي عن قلبه كلَّ خاطرٍ يُورِث اللَّجلجة والنحنحة والانقطاعَ والبُهْر والعَرَق وقال عُبيد اللَّه بنُ زياد وكان خطيباً على لُكْنة كانت فيه‏:‏ نِعم الشيء الإمارَةُ لولا قَعقعة البُرُد والتشرُّن للخُطَبُُ وقيل لعبد الملك بن مَرْوَان‏:‏ عَجِلَ عليك الشيبُ يا أمير المؤمنين قال‏:‏ وكيف لا يَعجَل عليَّ وأنا أَعرِضُ عَقْلِي على النَّاس في كلِّ جُمُعةٍ مَرَّةً أو مرتين يعني خطبةَ الجمعة وبعض ما يعرِض من الأمور وقال بعض الكلبيين‏:‏ من الكامل فإذَا خطَبتَ على الرِّجال فلا تكن خَطِلَ الكلام تقوله مُختالا واعلَمْ بأنّ من السُّكوت إبانةً ومن التكلُّم ما يكون خَبَالا